مثالُ الشرط: حديثُ مسلم: «الذَهبُ بالذَهبِ، والفِضَةُ بالفِضَةِ، والبُرُّ بالبُّرِّ، والشعيرُ بالشَعير، والتَمرُ بالتَمرِ، والمِلْحُ بالمِلحِ مثلًا بمِثلٍ، سَواءً بسَوَاءٍ يدًا بيَدٍ، فإذا اختلفت هذه الأجناسُ فبيعُوا كيفَ شِئْتُمْ إذا كان يَدًا بيَدٍ» ، فالتفريقُ بين مَنْعِ البَيْعِ في هذه الأشياء مُتَفاضِلًا وبين جوازِهِ، عند اختلافِ الجنسِ، لَوْ لَمْ يَكُنْ لعليَّةِ الاختلافِ لِلجَوَازِ لَكانَ بعيدًا.
ومثالُ الغاية: قولُه تعالى: (وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ) البقرة: 222 أي فإذا طَهُرْنَ فلا مَنْعَ مِنْ قُرْبَانِهنَّ كما صرَّحَ بهِ في قولِهِ تعالى عقبه: (فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَاتُوهُنَّ) البقرة: 222، فتفريقُهُ بين المنعِ من قربُانِهنَّ في الحيض وبين جوازِهِ في الطُهرِ لو لم يكن لِعِليَّةِ الطُهرِ للجَوَاز لَكانَ بعيدًا.
ومثالُ الاستِثْنَاءِ: قولُه تعالى: (فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ إِلَّا أَنْ يَعْفُونَ) البقرة: 237 أي الزوجاتُ عن ذلك النِصفِ فلا شيءَ لَهُنَّ، فتفريقُهُ بينَ ثُبوتِ النِصفِ لَهُنَّ وبينَ انتفائِهِ عندَ عَفْوِهِنَّ عنه، لو لم يَكُنْ لِعليَّةِ العَفْوِ للانْتِفَاءِ لَكانَ بعيدًا.
ومثالُ الاستِدراكِ: قولُه تعالى: (لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ) المائدة: 89 فتفريقُهُ بَيْنَ عَدَمِ الُمؤاخذَةِ بالأيْمَانِ، وبينَ المُؤاخَذَةِ بها عند تَعقيدِها، لَو لَم يَكُنْ لِعليَّةِ التعقيدِ لِلمُؤاخَذَةِ لَكانَ بَعيدًا.
المحشي: قوله «في الحيض» الأوْلَى قبلَ التَطَهُّرِ.
صاحب المتن: وكترتيبِ الحكمِ على الوصفِ، وكمنعِه مِمَّا قد يُفوِّتُ المطلوبَ.
الشارح: «وكتَرْتيبِ الحُكْمِ على الوَصْفِ» نحو «أكْرِمِ العلماءَ» فترتيبُ الإكرامِ على العِلمِ لَو لَم يكُنْ لِعليَّةِ العِلم لَهُ لَكانَ بَعيدًا.
«وَكَمَنْعِهِ» أي الشارعِ «مِمّا قَد يَفُوِتُ المَطْلُوب» نحو قوله تعالى: (فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ) الجمعة: 9، فالمنعُ مِن البيعِ وَقتَ نِداءِ الجُمعَةِ الذي قد يُفوِّتُها، لو لم يكن لِمَظنَّةِ تفويتِها لَكانَ بعيدًا.
وهذه أمثلةٌ لِمَا اتفق على أنّهُ إيماءٌ، وهو أنْ يَكونَ الوَصْفُ والحُكْمُ مَلْفُوظَيْنِ وإنْ كان في بَعضِها تَقديرٌ.
المحشي: قولُه «لَمَظنَّةِ تَفْويتَها» أي لِكَوْنِ التَشَاغُلِ بالبَيْعِ عن السَعي مَظِنَّةً لِتَفْويتِ الجُمُعَةِ.
قوله «وإن كانَ في بعضِها تقديرٌ» أي كَمِثَال الغايةِ بقوله تعالى: (وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ) البقرة: 222 فإن الوصفَ والحكمَ فيه مُقدّرَانِ كما قدَّرَهُما الشارحُ.
قيلَ: وإنما جَعَل الوصفَ في الغايةِ مُقدرًا مع أنّ لَفظَهُ مذكورٌ بقوله: «يَطْهُرْنَ» ، وجَعَل في الاستثناءِ مذكورًا بقولِه: «أنْ يَعفُونَ» لأنَّهُ في الأولِ ذَكَرَ غايةً لِمَا قَبلَهُ مِن المَنْعِ، لا لِتَرتُّبِ حُكمِهِ عليهِ فيَحتاجُ إلى تَقْدِيرِهِ، وفي الثاني ذَكَرَها مُخرَّجًا مما قبلَهُ لِيُرَتِّب حُكمَهُ عَليهِ.
الشارح: وعكسُ هذا القِسمِ لَيْسَ بايمَاءٍ قطعًا.
وفي الوَصْفِ المَلْفُوظِ والحُكمِ المُستَنْبَطِ وعَكْسِهِ -وفيه أكثرُ العِلَلِ- خلافُ مُخْتَلَفُ التَرْجيحِ كما أفادَتْه عبارةُ المصنِف، قيل: «إنَّهما إيماءٌ تَنْزيلًا لمستَنبَطِ مَنْزِلَةَ المَلفُوظِ، فيقدَّمانِ عند التعارُضِ على المستَنْبَطِ بلا إيماءٍ» . وقيل: «ليس إيماءً» ، والأصح أنّ الأوّل إيماءٌ لاستِلزَامِ الوَصفةِ للحُكمِ بخلافِ الثاني لِجوازِ كَونِ الوَصفِ أعمَّ. مثالُ الأوَّل: قولُه تعالى: (وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ) البقرة: 275 فحلُّهُ مستلزِمٌ لِصحَتِهِ، والثاني: كتعليل الرِبَويَاتِ بالطُعمِ أو غيرِهِ.
المحشي: قوله «وعَكْسُ هذا القِسمِ» أي كونُهما مُستَنْبَطَيْن ليسَ بإيماءٍ قطعًا، نبَّهَ بذلك على فَسَادِ ما يوهِمُه كلامُ المصنِفِ في تعريف الإيماء مِن أنّ هذا إيماءٌ على قوْلٍ. قوله «وفيه» أي في عكسِهِ أكثرُ العِلَلِ، جملةٌ معترضةٌ بين المبتدأِ المؤخَرِ وهو قولُه: «خلافٌ» والخَبرِ وهو قولُه «في الوَصْفِ ... الخ» .
قولُه «مُختَلفُ الترجيحِ» أي المرجَّحُ في اقتران الوَصفِ المَلْفوظِ بالحُكم المُستَنْبَطِ خِلاف المُرجَّحِ في عكسِهِ. قوله «لجوازِ كونِ الوصفِ أعمَّ» أي من الحُكم، فلا يَستَلزِمُهُ لأنّهُ موجودٌ بدُونهِ تحقيقًا لمَعنى المعلوم. قوله «فَحِلَّهُ» أي البيعِ مستلزمٌ لِصحته، فَحِلَّهُ هو الوصفُ الملفوظُ في الآيةِ، وصحتُه هو الحكمُ المستنبَطُ منها.
قوله «كتعليل الرِبَويَاتِ» أي حكمها كحرمةِ المُفاضَلَةِ في بيعِ بَعضِها ببَعضٍ. فالربويات بمعنى حرُمةِ المفاضلة فيها. هي الحكمُ الملفوظ، والطعمُ أو غيرهُ من القوتِ أو الكيلِ هو الوصفُ المستنبَطُ.