الشارح: ومثالُ النظير: حديثُ الصحيحَين: «إنّ امرأةً قالت: يا رسولَ الله، إنّ أُمّي ماتَت وعليها صَومَ نَذرٍ، أفأَصُومُ عنها؟ فقال: أرأيتِ لَو كانَ على أُمِّكِ دينٌ فقضَيْتِهِ أكَانَ يُؤدَّى ذلك عنها؟ قالت: نَعَم. قال: صومي عن أُمِّكِ» أي فإنّه يُؤدّى عنها، سألتهُ عن دين اللهِ على الميِّتِ، وجوازِ القضاء عنه، فذَكَر لها دين الآدمي عليه، وقرَّرها على جواز قضائه عنه وهما نظيران فلو لم يكن جوازُ القضاء فيها لعليَّةِ الدَين لَهُ لكانَ بعيدًا.
المحشي: قوله «لِعِلِّيَّةِ الدَينِ لَهُ» أي لَكونِ الدين عِلَّةً لجواز القضَاء.
صاحب المتن: ولا يُشترطُ مناسبةُ الْمُومى إليه عند الأكثرِ.
الشارح: «وَلا يُشترطُ» في الإيمَاءِ «مُناسبَةُ» الوصفِ «المُومِي إليه» للحُكمِ «عندَ الأكثَرِ» بناءًا على أنّ العلةَ بمعنَى المُعرِّفِ. وقيل: «يُشتَرَطُ بناءًا على أنّها بمَعنَى الباعِثِ» .
المحشي: قوله «ولا يُشترط في الإيماء مناسبةُ الوصف ... الخ» الخلافُ فيه بالنظر إلى الظاهر، وإلا فالمناسبةُ معتبرةٌ في نفسِ الأمر قطعًا للاتفاق على امتناعِ خُلوِّ الأحكام من الحكمة إما تفضلًا أو وُجوبًا على الخلافِ الكلامي، نبَّهَ عليه الزركشي وغيرُهُ.
صاحب المتن: الرابعُ: السَّبرُ والتقسيمُ، وهو حصرُ الأوصافِ في الأصلِ، وإبطالُ ما لا يصلُح فيتعيَّنُ الباقِي.
الشارح: «الرابعُ» مِن مسالِكِ العِلَّةِ: «السَبرُ والتقسيمُ، وهو حَصرُ الأوصافِ» الموجودَةِ «في الأصلِ» المقيسِ عليه «وإبطالُ مَالا يَصلُحُ» منها لِلعِليَّةِ «فيتعيَّنُ البَاقي» لَها كَأنْ يحصرَ أوصاف البَرِّ في قياس الذُرَّةِ مثلًا عليه في الطُعمِ وغيرِهِ ويُبطِلُ ما عدَا الطُعمِ بطريقه فيتعيَّنُ الطُعم لِلعلّيَّةِ. والسبرُ لغةً الاختبارُ. فالتسميةُ بِمَجموعِ الاسمين واضحةٌ، وقد يُقتَصَرُ على السَبرِ.
المحشي: الرابعُ مِن مسالِكِ العلَّةِ: السَبرُ والتقسيمُ. قوله «وهو» أي ما ذَكَر مِن السَبرِ والتقسيمِ كما أشارَ إليهِ الشارحُ بعدُ بقوله: «فالتسميةُ بمَجموُعِ الاسمينِ واضحةٌ» . وهذا بِمَنْزِلَةِ أصولِ الفقهِ عَلَمًا. وأما معناهما مُفردَين فالسبر الاعتبار، والتقسيمُ إظهارُ الشيءِ الواحدِ على وُجوهٍ مُختلفةٍ. والسَبْرُ نوعَانِ لأنّ الناظرَ يختبرُ أي يَعتبرُ أولًا هل بالمحلِّ أوصافٌ ثم بعد وُجودِها يُقسِّمُها، ثم يعتبر ثانيًا الصالِحَ منها لِلعليَّةِ، وبالاعتبارِ الأوَّلِ لِسَبقِه كان السبر مُقدمًا على التقسيم.
قوله «ويُبطِلُ ما عَدَا الطُعمِ بطريقِه» أي كأن يُبطلَ القوتَ بثُبوتِ الحُكمِ في المِلحِ مع انتِفاءِ القوتِ فيهِ بناءًا على اشتِراطِ الانعكاسِ في العلةِ المبنيّ مَنعِ تعدُّدِها. ويُبطِل الكَيلَ والقُوتَ أيضًا بمخَالَفَتِها لِظاهر خبرِ مسلم: «الطَعامُ بالطَعامِ مثلًا بِمثلٍ» لأنّهُ عَلَّقَ الحُكمَ فيه باسم الطعامِ الذي هو بمعنى المطعوم، والمعلَّقُ بالمُشتقِ مُعلَّلٌ بما منهُ الاشتقاق كالقطعِ والجلدِ المُعلَّقَين باسم السارق والزاني.
صاحب المتن: ويكفِي قولُ المستدلِ: «بحثتُ فلم أجِدْ، الأصلُ عدمُ ما سواها» ، والمجتهدُ يرجعُ إلى ظنِّه.
الشارح: «ويَكفي قَولُ المُستَدِلِّ» في المُناظرةِ في حَصرِ الأوصافِ التي يَذكُرُها: «بَحَثتُ فَلَم أجِد» غَيرَهَا، «والأصلُ عدَمُ ما سِواها» لِعَدَالَتِه مع أهليَةِ النَظرِ فيندَفِعُ عَنهُ بذلك منعُ الحَصر.
«والمُجتهدُ» أي الناظِرُ لِنَفسِهِ «يَرجعُ» في حَصرِ الأوصافِ «إلى ظَنِّهِ» فيأخذُ بهِ، ولا يُكابرُ نَفسَهُ.
المحشي: قوله «ويكفي» أي في دَفْعِ منعِ المعترِض الحَصرَ.
قوله «والأصلُ عَدمُ ما سِواهَا» الأولى جَعلُ الوَاوِ بمعنى «أوْ» كما عبَّرَ في نُسَخ المَتن تبعًا لمختصر ابن الحاجب وغيرِه لأنّ بقاءَهَا مع معناها الأصلِ يقتضي أنه لابدّ من الجمعِ بين مَدخولِها وما قبلها، وليس كذلك.
وقولُه «لعدالته ... الخ» تعليلٌ لِما قبلَهُ.
صاحب المتن: فإنْ كان الحصرُ والإبطالُ قطعيًا فقطعيٌ، وإلاَّ فظنِّيٌ، وهو حجةٌ للناظرِ والمناظرِ عند الأكثرِ،
الشارح: «فإن كان الحَصرُ والإبطالُ» أي كلٌّ منهما «قَطعيًَّا فقَطعيٌ» أي فهذا المسلكُ قَطعيٌ «وإلا» بأن كان كلٌّ منهما ظنيًّا، أو أحَدهُمَا قَطعِيًّا والآخر ظَنِيًّا «فظَنِّيٌ. وَهُوَ» أي الظَنِّي «حُجةٌ للناظِرِ» لِنَفسِه «والْمُناظِرِ» غيرَهُ «عندَ الأكثَر» لوُجوبِ العَمَلِ بالظنِّ.