المسبب يدل على انتفاء جميع أسبابه، بدليل قوله تعالى: (لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا) الأنبياء: 22، فإنّه إنّما سيق ليستدلّ بامتناع الفساد على امتناع تعدّد الآلهة، دون العكس.
واستحسن ذلك غيره، وعبّر في توجيهه بأن الشرط ملزوم، والجواب لازم، وانتفاء اللازم يوجب انتفاء الملزوم، من غير عكس، لجواز أنْ يكون اللازم أعمّ، وردّه السعد التفتازاني: «بأن التعريف المذكور ليس معناه أنّه يستدلّ بامتناع الشرط على امتناع الجواب حتى يعترض بما ذكر، بل معناه أن «لو» للدلالة، على أنّ انتفاء الجواب في الخارج إنّما هو بسبب انتفاء الشرط، فمعنى (فَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ) الأنعام: 149 أن انتفاء الهداية إنما هو بسبب انتفاء المشيئة، فهي عندهم تستعمل للدلالة على أنّ علّة انتفاء مضمون الجواب في الخارج، انتفاء مضمون الشرط، من غير التفات إلى أن علّة العلم بانتفاء الجواب ما هي؟ ولهذا صحّ مثل قولك: «لو جئتني لأكرمتك، لكنّك لم تجيء» ، تريد أن عدم الإكرام بسبب عدم المجيء «ولو كان معناها الاستدلال -كما هو طريق أهل المعقول- لما صح إذ استثناء نقيض المقدّم لاينتج شيئًا، قال: «وأمّا أرباب المعقول.
الشارح: ومرادهم أنّ انتفاء الشرط والجواب هو الأصل، فلا ينافيه ما سيأتي في أمثلة، من بقاء الجواب فيها على حاله مع انتفاء الشرط.
المحشي: فقد جعلوا كلًا من «إنْ» و «لو» ونحوهما أداة للتلازم، دالّة عل لزوم الجواب للشرط، من غير قصد إلى القطع بانتفائهما، وإنّما يستعملونها في القياسات، لحصول العلم بالنتائج، فهي عندهم للدلالة على أنّ العلم بانتفاء الثاني، علّة للعلم بانتفاء الأوّل، ضرورة انتفاء الملزوم بانتفاء اللازم، من غير نظر إلى أنّه علّة انتفاء الجواب في الخارج ما هي؟ لكن الاستعمال على قاعدة اللغة هو الشائع المستفيض.
قوله:» ومرادهم «الخ، أشار به إلى أنّ هذا القول صحيح نظرًا للأصل، فلا ينافيه ما خرج عنه مما قاله أي فتضعيف المصنّف له، بتصحيح ما شمل الأمرين منتقد، مع أن في لفظ ما صحّحه تفكيكًا، إذ قوله:» امتناع ما يليه «إنّما يكون باعتبار «لو» ، وقوله» واستلزامه لتاليه «إنّما يكون بدونه، وقوله» في أمثلة «: أي أربعة، وهي: «لو كان هذا إنسانًا لكان حيوانًا» .
صاحب المتن: وَقَالَ الشَّلُوبِينَ: لِمُجَرَّدِ الرَّبْطِ، وَالصَّحِيحُ - وِفَاقًا لِلشَّيْخِ الإِمَامِ - امْتِنَاعُ مَا يَلِيهِ، وَاسْتِلْزَامُهُ لِتَالِيهِ، ثُمَّ يَنْتَفِي التَّالِي إِنْ نَاسَبَ، وَلَمْ يَخْلُفْ الْمُقَدِّمُ غَيْرَهُ كَـ (لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا) الأنبياء: 22، لاَ إِنْ خَلَفَهُ، كَقَوْلِكَ: لَوْ كَانَ إِنْسَانًا لَكَانَ حَيَوَانًا.
الشارح:» وقال الشلوبين «: هو» لمجرّد الربط «للجواب بالشرط كان، واستفادة ما ذكر من انتفائهما، أو انتفاء الشرط فقط من خارج.» والصحيح «في مفاده نظرًا إلى ما ذكر من القسمين،» وفاقًا للشيخ الإمام «-والد المصنّف-:» امتناع ما يليه «مثبتًا كان أو منفيًا،» واستلزامه «أي ما يليه» لتاليه «، مثبتًا كان أو منفيًا، فالأقسام أربعة.
المحشي: مع الأمثلة الثلاثة بعده. وقوله» هو لمجرّد الربط «أي بأن لا يدلّ إلا على التعليق في الماضي، كما لا تدلّ «إنْ» إلاّ على التعليق في المستقبل.
قوله:» من انتفائهما «أي الذي هو الأصل، وقوله» أو انتفاء الشرط فقط «أي المقابل للأصل المعبّر عنه قبل:» بما سيأتي في أمثلةٍ «الخ، وهذان هما المرادان بقوله بَعْدُ:» من القسمين «.
الشارح:» ثمّ ينتفي التالي «: أي غيره» إنْ ناسب «المقدّم، بأنْ لزمه عقلًا أو عادة أو شرعًا،» ولم يخلف المقدّم غيره كـ (لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا) الأنبياء: 22 أي غيره» لفسدتا «أي السموات والأرض، ففسادهما: أي خروجهما عن نظامهما المشاهد، مناسب لتعدّد الإله، للزومه له على وفق العادة عند تعدّد الحاكم، من التمانع في الشيء، وعدم الاتفاق عليه، ولم يخلف التعدّد في ترتب الفساد غيره، فينتفي الفساد بانتفاء التعدّد المفاد بِ «لو» ، نظرًا إلى الأصل فيها، وإن كان القصد من الآية العكس: أي الدلالة على انتفاء التعدّد بانتفاء الفساد، لأنّه أظهر،» لا إنْ خلفه «أي خلف المقدّم غيره: أي كان له خلف في ترتّب التالي عليه، فلا يلزم انتفاء التالي،» كقولك «في شيء:» لو