أجراء الأحكام الدنيوية عند الإمام أبي منصور الماتريدي والأشاعرة وشطر منه عند أكثر الحنفية، والعمل بالطاعات شرط في كماله عند الجمهور غير داخل في حقيقته، فليس الإيمان مجرد معرفة الله، بدون الإذعان والنطق باللسان - كما قال جهم بن صفوان - ولو كان مجرد المعرفة إيمانا بالله تعالى لكان إبليس مؤمنا لأنه عارف بربه يعرف أنه خالقه ومميته وباعثه ومعذبه، {قَالَ رَبِّ بِمَا أَغْوَيْتَنِي} [الحجر: 39] ، وقال: {فَأَنْظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ} [الحجر: 36] ، وقال: {خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ} [الأعراف: 12] ، ولكان الكفار مؤمنين بربهم، إذ أنكروا بلسانهم قال تعالى: {وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ} [النمل: 14] ، فلم يجعلهم مع استيقانهم بأن الله تعالى واحد مؤمنين مع جحدهم بلسانهم.
وقال تعالى: (يعرفون نعمة الله ثم ينكرونها وأكثرهم الكافرون) ، وقال تعالى: {قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَمَنْ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَنْ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ فَقُلْ أَفَلَا تَتَّقُونَ (31) فَذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمُ الْحَقُّ} [يونس: 31، 32] ، فلم تنفعهم معرفتهم مع إنكارهم.
وقال تعالى: {يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ} [البقرة: 146] ، فلم تنفعهم معرفته صلى الله تعالى عليه وسلم مع كتمانهم أمره وجحودهم به، وليس الإيمان هو الإقرار باللسان فقط - كما قالت الكرامية - ولو كان هو الإقرار ما نفاه الله تعالى عن المنافقين في قوله تعالى: {وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ} [البقرة: 8] ، وليس الإيمان مجموع الاعتقاد بالجنان والاقرار باللسان والعمل بالأركان - كما قالت الخوارج والمعتزلة -، وعليه كفر الخوارج مرتكب الكبيرة وجعله المعتزلة في منزلة بين المنزلتين، فتحقق أن التصديق اعتقاد القلب ولا تعلق له باللسان والأركان إلا أنه لما كان أمرا باطنا لا يوقف عليه ولا يمكن بناء أحكام الدنيوية، كما قال عليه الصلاة والسلام: (أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله فإذا قالوها عصموا مني دمائهم وأموالهم إلا بحقها وحسابهم على الله) ومن أطلق اسم الإيمان على غير التصديق فقد صرفه عما هو المفهوم