من السجن وارتحل إلى الشام ومات بها في زعر، ولم يعلم به إلا خاصة من أصحابه، فحملوه ودفنوه في القدس الشريف، وكان أتباعه في القدس أكثر من عشرين ألفا على التعبد والتقشف، وقد زين لهم الشيطان ما هم عليه وهم من الهالكين وهم لا يشعرون، واستمر على ما هم عليه خلق شأنهم حمل الناس على ما هم عليه إلى وقتك هذا. قال الله تعالى (أفمن زين له سوء عمله فرآه حسنا) ، قال سعيد بن جبير: نزلت هذه الآية في أصحاب الأهواء والبدع إهـ. وتوفي ابن كرام سنة خمس وخمسين ومائتين.
ظلم الحنابلة لابن جرير
وثناء ابن خزيمة والعماء عليه
قال الحافظ بن الأثير في كامله في حوادث عشر وثلاثمائة ما نصه: (( وفي هذه السنة توفي محمد بن جرير الطبري صاحب التاريخ بغداد، ومولده سنة أربع وعشرين ومائتين ودفن ليلا بداره، لأن العامة اجتمعت ومنعت من دفنه نهارا وادعوا عليه الرفض ثم ادعوا عليه الالحاد. وكان علي بن عيسى يقول: والله لو سئل هؤلاء عن معنى الرفض والالحاد ما عرفوه ولا فهموه، هكذا ذكره ابن مسكويه صاحب (( تجارب الأمم ) ).
وحاشا ذلك الإمام عن مثل هذه الأشياء، وأما ما ذكر من تعصب العامة فليس الأمر كذلك وإنما بعض الحنابلة تعصبوا عليه ووقعوا فيه فتبعهم غيرهم ولذلك سبب وهو أن الطبري جمع كتابا ذكر فيه اختلاف الفقهاء لم يصنف مثله، ولم يذكر فيه أحمد بن حنبل، فقيل له في ذلك، فقال لم يكن فقيها وإنما كان محدثا، فاشتد ذلك على الحنابلة وكانوا لا يحصون كثرة ببغداد فشغبوا عليه وقالوا ما أرادوا.