واستحلال قتلهم، كما تحقق كثير من العامة الذين كانوا يقدسونهم بدروس ابن القشيري وغيره فساد عقيدتهم فنفروا منهم فضعفت شوكتهم فجاءت المغامرة الخامسة مع الشريف البكري ضربة قاضية عليهم في بغداد إلى الأبد، فاندمجوا بعدها في أتباع الأئمة الثلاثة وصار جميعهم أهل السنة والجماعة جبهة واحدة في مقابلة الشيعة الذين كثروا في بغداد.
كانت المعتزلة أبرز طوائف المبتدعة المنتسبة إلى الإسلام تجول في ميدان المعقول بأمرين: مناظرة مخالفيهم في الرأي والرد عليهم بالتأليف، وكانوا يزدرون أهل السنة ويلقبونهم بالحشوية، وزاد ازدراؤهم لهم بعد عجز أعيان المحدثين عن مقاومتهم في فتنة القول بخلق القرآن، وكان المحدثون يحظرون الخوض في الجدل وعلم الكلام في الأمرين، وكان في بغداد علماء فقهاء أجادوا الرد على المعتزلة بالتأليف، كالحارث بن أسد المحاسبي والحسين الكرابيسي، ولكن أحمد بن حنبل بدعهما، حيث خاضا في علم الكلام فأسقط عدالتهما واعتبارهما عند العامة، وكان في إمكانهم مقاومة المعتزلة في المناظرة، ولكن تركوا ذلك، إما تورعا من الجلوس على بساط الأمراء وولاة الأمور، وإما لما في أنفسهم من طعن المحدثين فيهم، وإما ظنا منهم أن المحدثين يستطيعون مناظرة المعتزلة، فتستلزم منااظرتهم اعترافهم لهم بوجوب الخوض في الجدل وعلم الكلام عند الحاجة، فخاب ظنهم، وكان أمر الله قدرا مقدورا.
تحولت فتنة المعتزلة في القول بخلق القرآن
بعد قطع الإمام الأذرمي 1 لهم بالمناظرة الرسمية
وتحولت فتنة المعتزلة هذه بعد قطع الإمام الأذرمي لهم بالمناظرة الرسمية أمام الوائق من حبس المسلمين، وضربهم وقتلهم إلى حرب أقلام بالتأليف ومناظرات فردية.
ومن أئمة السنة الذابين عنها بالقلم قبل الأشعري: عبد الله بن سعيد بن كلاب وكان معاصرا لأحمد بن حنبل فبدعه أحمد أيضا. ومن أئمة السنة الرادين على المعتزلة بالتآليف أبو العباس القلانسي وكان معاصرا لأبي الحسن الأشعري.
ومناظرة أهل الأهواء وقطعهم بالحجة قد قام بها سلفنا الصالح أحسن قيام، فقد
(1) أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ الأَذْرَمِيُّ هو شيخ النسائي وأبي داود من أصحاب كتب الصحاح في الحديث.