الهوجاء، ضموا إليها وظيفة القيام بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، باليد واللسان، ليتأتى لهم بث عقيدتهم تحت ستار هذه الوظيفة الشريفة، والانتقام من المسلمين بعواملها المختلفة، فقاموا بمغامرة ثانية واسعة النطاق كثير جيشها، ولكن لم تزهق فيها أرواح بقيادة الحسن البربهاري تلميذ المروزي، وقد اجتاز البربهاري هذا بالجانب الغربي من بغداد ومعه جيشه، المقدسون له فعطس، فشمته جيشه فارتفعت أصواتهم ارتفاعا منكرا حتى سمعها الخليفة وهو في (( روشنه ) )فسأل عن الحال فأخبر بها فاستهولها، وهذه الحالة من هؤلاء الغوغاء عنوان من عناوين غيغالهم في تقديس مشايخهم، وتشميت العاطس عند العلماء سنة أو واجب، وعلى كليهما إذا قام به البعض سقط عن الباقين، ولم يفد في ردعهم تهديد مدير شرطة بغداد لهم ونداؤه عليهم، بل ازدادوا في القيام بوظيفتهم شدة، ووسعوها بتسليط العميان على الشافعية يضربونهم بعصيهم، وكان في بغداد الشافعية والمالكية والحنفية والشيعة، والظهر أن الشافعية فيها كانوا أكثر أتباع الأئمة بعد الحنابلة، فزاحموهم وضاقوا بهم ذرعا فسلطوا عليهم العميان، ولا شك أن هذه المهزلة بعيدة عن آداب العلم وأخلاق العلماء لا يرتكبها إلا سفلة الناس.
وقد حسم هذه المغامرة منشور الخليفة الراضين فجاء عليهم كالصاعقة، بين لأهل بغداد عقائدهم الفاسدة غاية البيان، من تجسيم لله تعالى وإيغال في تقديس الإمام أحمد وغير ذلك، ولا شك أن المسلمين قد اتضحت لهم به عقائد هذه الطائفة تمام الاتضاح، وخاصة أهل بغداد من لم يتلوث عقله منهم بوضرها. كانت هذه الطائفة تعتقد ان الإسلام محصور فيها ولا إمام يصح اتباعه إلا أحمد بن حنبل، فلذلك لقبوا أنفسهم بأهل السنة.
وقد ظهرت في آخر المائة الرابعة زمرة فاضلة ببغداد من أعيان الفقهاء الشافعية، رحل إليهم الناس لأخذ العلم من البلدان النائية، منهم أبو حامد الاسفرائني، قالوا كان يحضر مجلسه ثلاثمائة متفقه، وتلميذه القاضي أبو الطيب الطبري توفي عن مائة سنة