الحكاية قد ذكرها كثير من الحنابلة وذكرها شيخنا الذهبي في ترجمة الغمام أحمد وفي ترجمة الكرابيسي فانظر إلى قول الكرابيسي فيها أن مخالفها يكفر، والإمام أحمد فيما نعتقده لم يخالفها وإنما أنكر أن يتكلم في ذلكن فإذا تأملت ما سطرناه ونظرت قول شيخنا في غير موضع من تاريخه، أن مسألة اللفظ مما يرجع إلى قول جهم عرفت أن الرجل لا يدري في هذه المضايق ما يقول، وقد أكثر هو وأصحابه من ذكر جهم بن صفوان، وليس قصدهم إلا جعل الأشاعرة الذين قدر الله لقدرهم أن يكون مرفوعا وللزومهم للسنة أن يكون مجزوما به ومقطوعا، فرقة جهمية، وأعلم أن جهما شر من المعتزلة كما يدريه من ينظر الملل والنحل ويعرف عقائد الفرق، والقائلون بخلق القرآن هم المعتزلة جميعا، وجهم لا خصوص له بمسألة خلق القرآن بل هو شر من القائلين بها، لمشاركته غباهم فيما قالوه وزيادته عليهم بطامات.
فما كفى الذهبي أن يشير إلى اعتقاد ما يتبرأ العقلاء عن قوله من قدم الألفاظ الجارية على لسانه حتى ينسب هذه العقيدة إلى مثل الإمام أحمد بن حنبل وغيره من السادات، ويدعي أن المخالف فيها يرجع إلى قول جهم، فليته درى ما يقول، والله يغفر لنا وله ويتجاوز عمن كان السبب في خوض مثل الذهبي في مسائل الكلام، وانه ليعز الكلام علي في ذلك، ولكن كيف يسعنا السكوت وقد ملأ شيخنا تاريخه بهذه العظائم التي لو وقف عليها العامي لأضلته ضلالا مبينا، ولقد يعلم الله مني كراهة الازراء بشيخنا فإنه مفيدنا ومعلمنا، ولكن أرى أن التنبيه على ذلك حتم لازم في الدين.
قال أحمد بن عدي، سمعت محمد بن عبد الله الصيرفي الشافعي يقول لهم - يعني لتلامذته: اعتبروا بهذين؛ حسين الكرابيسي وأبي ثور، فالحسين في علمه وحفظه وأبو ثور لا يعشره في علمه، فتكلم فيه حمد في باب اللفظ فسقط وأثنى على أبي ثور فارتفع.
(قلت) وهذا الكلام من الصيرفي مع علو قدره يدل على علو قدر الحسين، ونظيره