محاولة حنابلة الشام في القرن السابع إحياء مذهبهم
ومساعدة الملك الأشرف الأيوبي لهم
كان الملك الأشرف موسى بن الملك العادل بن أيوب بدمشق، سمع بما عليه الشيخ عز الدين بن عبد السلام الملقب بسلطان العلماء من القيام لله والعلم والدين، فصار يلهج بذكره ويطلب الاجتماع به، والشيخ لا يجيبه لذلك وكانت طائفة من مبتدعة الحنابلة، قد صحبهم الأشرف في صغره، يكرهون الشيخ عز الدين ويطعنون فيه، فقرروا في ذهن الأشرف أن الذي هم عليه هو اعتقاد السلف وأحمد بن حنبل وفضلاء أصحابه، فاختلط هذا الاعتقاد بلحم الأشرف ودمه، وصار يعتقد أن مخالفه كافر حلال الدم، فلما رأوه مال إلى الشيخ عز الدين قالوا له إنه أشعري العقيدة يخطئ من يعتقد الحرف والصوت ويبدعه ويقول بقول الأشعري: ان الخبز لا يشبع والماء لا يروي والنار لا تحرق، فغضب الأشرف واستعظمه، فكتبوا فتيا في مسألة الكلام، وأوصلوها إليه مريدين أن يكتب عليها بذلك، فيسقط موضعه عند الأشرف، وكان الشيخ قد اتصل به ذلك كله، فلما جاءته الفتيا قال: هذه الفتيا كتبت امتحانا لي، والله لا أكتب فيها إلا ما هو الحق فكتب العقيدة المشهورة.
قال السبكي: وقد ذكر ولده بعضها في تصنيفه، وأنا أرى أن أذكرها كلها، لتستفاد وتحفظ وساقها كلها، وهي في نحو ثلاث ورقات، فلما وصلت الأشرف استشاط غضبا وقال: صح عندي ما قالوه عنه، وهذا رجل كنا نعتقد أنه متوحد في زمانه في العلم والدين، فظهر بعد الاختبار أنه من الفجار، لا بل من الكفار، وكان ذلك في رمضان عند الإفطار وعنده على سماطه عامة الفقهاء من جميع الأقطار، فلم يستطع أحد منهم أن يرد عليه، بل قال بعض أعيانهم السلطان أولى بالعفو والصفح، لا سيما في مثل هذا الشهر.