وموه آخرون بكلام موجه يوهم صحة مذهب الخصم، فلما انفضوا تلك الليلة من مجلسه بالقلعة، اشتغل الناس بما جرى في تلك الليلة عند السلطان، وأقام الحق سبحانه وتعالى الشيخ العلامة جمال الدين أبا عمرو بن الحاجب المالكي في هذه القضية، فمضى إلى القضاة والعلماء الأعيان الذين حضروا هذه القضية، وشدد عليهم النكير وقال: العجب انكم كلكم على الحق وغيركم على الباطل وما فيكم من نطق بالحق وسكتم، وما انتخيتم لله تعالى وللشريعة المطهرة.
ولما تكلم منكم من تكلم قال: السلطان أولى بالصفح والعفو، ولا سيما في مثل هذا الشهر، وهذا غلط يوهم الذنب، فإن العفو لا يكون إلا عن جرم، أما كنتم سلكتم طريق التلطف بإعلام السلطان بأن ما قاله ابن عبد السلام مذهبكم، وهو مذهب أهل الحق، وإن جمهور السلف والخلف عليه، ولم يخالفهم فيه إلا طائفة مخذولة، يخفون مذهبهم ويدسونه على تخوف، إلى من يستضعفون علمه وعقله، ولم يزل يوبخهم ويعنفهم، إلى أن اصطلح معهم على أن يكتب فتيا بصورة الحال ويكتبوا فيها بموافقة ابن عبد السلام، فوافقوه على ذلك وأخذ خطوطهم بموافقته.
والتمس ابن عبد السلام من الأشرف أن يعقد مجلسا للشافعية والحنابلة ويحضره المالكية والحنفية وغيرهم من علماء المسلمين، وذكر له أنه أخذ خطوط الفقهاء الذين كانوا بمجلس السلطان لما قرئت عليه الفتيا بموافقتهم له وأنهم لم يمكنهم الكلام بحضرته في ذلك الوقت لغضبه، وقال: الذي نعتقد في السلطان أنه إذا أظهر له الحق رجع إليه وأنه يعاقب من موه الباطل عليه، وهو أولى الناس بموافقة والده السلطان الملك العادل رحمه الله تعالى، فإنه عزر جماعة من أعيان الحنابلة المبتدعة، تعزيرا بليغا وأهانهم، فلما وصل هذا إلى الأشرف أجاب الشيخ عز الدين جوابا شديدا مضمونه: منع عقد المجلس للمنارة، وأنه يتبع سنة النبي صلى الله تعالى عليه وسلم وسنة خلفائه الراشدين، وعقائد الأئمة الأربعة فيها كفاية له، وإن الفتنة نائمة لعن الله مثيرها، ومن تعرض إلى إثارتها قاتله بما يخلصه من الله تعالى، فأجابه الشيخ عز الدين عن كتابه جوابا سديدا