وقد سجل محضر في تأييد أبي نصر بن القشيري في هذه الحادثة وقع عليه أعيان الفقهاء الشافعية ببغداد بخطوطهم، منهم الشيخ أبو إسحاق الشيرازي ورفع إلى الوزير نظام الملك نصه: يشهد من ثبت اسمه ونسبه وصح نهجه ومذهبه واختبر دينه وأمانته من الأئمة الفقهاء والأماثل العلماء وأهل القرآن والمعدلين الأعيان، وكتبوا خطوطهم المعروفة بعباراتهم المألوفة، مسارعين إلى أداء الأمانة، وتوخوا في ذلك ما تحضره الديانة، مخافة قوله تعالى: {وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَتَمَ شَهَادَةً عِنْدَهُ مِنَ اللَّهِ} [البقرة: 140] أن جماعة من الحشوية والأوباش الرعاع المتوسمين بالحنبلية، أظهروا ببغداد من البدع الفظيعة والمخازي الشنيعة ما لم يتسمح به ملحد فضلا عن موحد، ولا تجويز به قادح في أصل الشريعة ولا معطل، ونسبوا كل من ينزه الباري تعالى وجل عن النقائص والآفات، وينفى عنه الحدوث والتشبيهات، ويقدسه عن الحلول والزوال، ويعظمه عن التغير من حال إلى حال، وعن حلوله في الحوادث، وحدوث الحوادث فيه، إلى الكفر والطغيان ومنافاة أهل الحق والإيمان، وتناهوا في قذف الأئمة الماضين وثلب أهل الحق وعصابة الدين، ولعنهم في الجوامع والمشاهد والمحافل والمساجد والأسواق والطرقات والخلوة والجماعات، ثم غرهم الطمع والإهمال، ومدهم في طغيانهم الغي والضلال إلى الطعن فيمن يعتضد به أئمة الهدي وهو للشريعة العروة الوثقى، وجعلوا أفعاله الدينية معاصي دنية، وترقوا من ذلك إلى القدح في الشافعي رحمة الله عليه، اتفق عود الشيخ الإمام الأوحد أبي نصر بن الأستاذ الإمام زين الإسلام أبي القاسم القشيري رحمة الله عليه من مكة حرسها الله تعالى، فدعا الناس إلى التوحيد، وقدس الباري عن الحوادث والتحديد، فاستجاب له أهل التحقيق من الصدور الأفاضل السادة الأماثل، وتمادت الحشوية في ضلالتها والإصرار على جهالتها، وأبوا إلا التصريح بأن المعبود ذو قدم وأضراس ولهوات وأنامل، وأنه ينزل بذاته ويتردد على حمار في صورة شاب أمرد بشعر قطط، وعليه تاج يلمع وفي رجليه نعلان من ذهب، وحفظ ذلك عنهم وعللوه ودونوه في كتبهم، وإلى العوام ألقوه، وأن هذه الاخبار لا تأويل لها وأنها تجري على ظواهرها وتعتقد كما ورد لفظها، وأنه تعالى يتكلم بصوت كالرعد وكصهيل الخيل.