ولم يتوقف الفاروق إلى وصول بيعة الأمصار إليه، وبايع عبد الرحمن بن عوف عثمان ثم بايعه أهل المدينة، ولم يتوقف ذو النورين إلى وصول بيعة الأمصار إليه، فدل هذا كله لمذهب أهل الحق من كفاية البعض في بيعة الإمام ولو واحدا إذا كان من أهل الحل والعقد ولزوم بيعته سائر الأمة ووجوب طاعته عليهم.
فبيعة علي رضي الله عنه عند التحقيق أقوى من بيعة الثلاثة، لأنه بايعه أهل المدينة وهم إذ ذاك أعيان الأمة الإسلامية وساداتها، وبايعه أيضا ثلاث طوائف من ثلاثة أمصار بصريون ومصريون وكوفيون، فلزوم بيعته سائر الأمة ووجوب طاعته عليهم أحرى، فبيعته رضي الله تعالى عنه مجمع عليها كالإجماع على بيعة كل واحد من الثلاثة، فخلافته انعقدت له مرتين: الأولى عقدها له الفاروق، ورجال الشورى، وأهل المدينة قبل بيعة عثمان حكما، فالفاروق عينه لها في الستة الذين عينهم لها، وعينه لها أيضا بالإرشاد إليه ومدحه بقوله: (لله درهم ان ولوها الاصيلع ليحملنهم على الجادة ولو كان السيف على رقبته) ، والأربعة من رجال الشورى: عبد الرحمن وسعد وطلحة والزبير بتنازلهم عن حقهم فيها له ولعثمان فانحصرت فيهما، وأهل المدينة بترجيح أكثرهم تقديم عثمان عليه، وبعد موت عثمان صار له ما عقده هؤلاء الثلاثة فعلا.
فبيعة المسلمين له بعد موت عثمان مؤكدة لما انعقد له حكما قبل بيعة عثمان، ومن أجل هذا قال علماء الأصول كإمام الحرمين: إن خلافته رضي الله تعالى عنه مجمع عليها، فإن قيل إن كانت خلافته مجمعا عليها، وطاعته واجبة على جميع المسلمين فما حجة معاوية ومن معه في مخالفة إجماع المسلمين وقتال الإمام العادل؟، وما حجة أمير المؤمنين في قتاله معاوية؟.