(الأمر الثاني) في مناظرته للمعتزلة، وقد عجز رحمه الله تعالى كما عجز غيره من أعيان المحدثين عن إيقاف تيار هذه الفتنة بالبرهان، وقد ناظرهم مناظرة طويلة غير قاطعة، ذكرها ابن الجوزي في مناقبه وهو مطبوع، خلاصتها: (( قال أحمد: فإذا جاءوا بشيء من الكلام مما ليس في كتاب الله عز وجل ولا سنة رسوله صلى الله عليه وسلم ولا فيه خبر، قلت: ما أدري ما هذا، قال: يقولون يا أمير المؤمنين إذا توجهت له الحجة علينا ثبت، وإن ألزمناه بشيء يقول لا أدري ما هذا، إن العلم نور يقذفه الله تعالى في قلب من يشاء من عباده، وأن هذه الأمة المرحومة قد ميزها الله تعالى على سائر الأمم بكثرة العلماء، وأن علماءها غير محصورين في المعروفين بل في الزوايا خبايا كثيرة وقد عجل الله تعالى بموت المأمون بعد إعلانه بهذه المصيبة على المسلمين بقليل بالبدندون بأرض الروم فحملوه إلى طرطوس ودفنوه بها، وقد حمل إليه أحمد بن حنبل ورفيقه محمد ابن نوح وجماعة من المحدثين، فلما وصلوا الرقة بلغهم موته فأرجعوا إلى بغداد، ولكنه أوصى أخاه المعتصم بالقيام بهذه المحنة والشدة فيهان فبقي المعتزلة يجولون في الميدان مدة خلافة هذا وشيئا من خلافة ابنه الواثق، وكان هذا فيها على المسلمين اشد من عمه وأبيه حتى انه قتل أحمد بن نصر الخزاعي بيده، وحتى أنه أمر أن يمتحن أسرى المسلمين الذين عند الروم فمن قال منهم إن القرآن مخلوق وإن الله تعالى وتبارك لا يرى في الآخرة افتك من الأسر وأعطي دينارا ومن لم يقل ذلك ترك عند الروم. ثم برز لهم ذلك الغمام فارس الإسلام أبو محمد عبد الله بن عبد الرحمن الأذرمي أتي به من ثغر الروم أدنه(آطنه) إلى بغداد مكبلا بالحديد، فصرع باطلهم وقطع ألسنتهم، بمناظرة مختصرة، بثبات جأش وشجاعة فائقة:
فأدر كهن ثانيا من عنانه ... يمر كمر الرائح المتحلب
وقد ذكرها ابن الجوزي في مناقب الإمام أحمد، وإلى القراء نصها: