سبحانه بائن من خلقه)، لأن العرش من جملة المخلوقات وجلوسه تعالى عليه على مذهبه يناقض بينونته منه.
وقوله: (فوق سماواته) لا يخلو عن أمرين: إن أراد به أن العرش فوق سماواته تعالى فهذا من الاخبار بالواضحات لأن المسلمين يعلمون أن العرش فوق السماوات، وإن أراد به أنه تعالى فوق السموات فيلزم منه أنه تعالى تحت العرش لا جالس عليه، وهذا خبط وتناقض.
وقوله: (فهذان حدان اثنان) فاسد، لأنه يلزم له تعالى - على زعمه - خمسة حدود، حد لمكانه تعالى وأربعة لهن التحت والجانبان والفوق الذي لا يعلمه أحد غيره، نعوذ بالله من زلقات اللسان وفساد الجنان.
الخامسة زعمة: أن كل أحد بالله وبمكانه اعلم من الجهمية
تعالى وتقدس عن افكه هذا
(5) -وهو في قوله في ص 30 منه: (وكل أحد بالله وبمكانه أعلم من الجهمية) أفاك جان على جمهور الأمة الإسلامية، ومراده بالجهمية الأشاعرة وهذا إفك ثان ونبز لطائفة عظيمة من فحول علماء الإسلام برأي جهم بن صفوان، وجهم هلك سنة ثمان وعشرين ومائة وأقبر معه رأيه الفاسد ولم يكن له أتباع، كان أقل وأذل من أن يكون له ذلك، فما يوجد كثيرا في كلامه وفي كلام ابن القيم من النبز بهذا اللفظ، فالمراد بهم الأشاعرة لأنهم أفحموه في المناظرة بدمشق، ولم يستطع حضور مجالسهم بالقاهرة فضلا عن مناظرتهم، فعدل إلى أساليب ظن أنه يوهي بها جبالهم الشامخة، كالتكفير والنبز بالجهمية والاقذاع وأنواع الشتم وإظهار التنسك واستمالة الأمراء إليه، ولا تروج هذه الأساليب إلا في سوق الغوغاء واشباههم، والأمة الإسلامية كلها ما عدا مشايخه المجسمة، تنزه الله تبارك وتعالى عن الحد والمكان، وتقول: العجز عن إدراكه تعالى إدراك والخوض في ذاته إشراك.