فهرس الكتاب

الصفحة 418 من 562

وقال لوافد أهل البصرة الاحنف بن قيس: ما تقول يا أبا بحر؟، فقال: نخافكم إن صدقنا ونخاف الله إن كذبنا وأنت يا أمير المؤمنين أعلم بيزيد في ليله ونهاره وسره وعلانيته ومدخله ومخرجه، فإن كنت تعلمه لله تعالى وللأمة رضا فلا تشاور فيه، وإن كنت تعلم فيه غير ذلك فلا تزوده الدنيا وأنت صائر إلى الآخرة، وإنما علينا أن نقول: سمعنا وأطعنا، فتفرق الناس يحكون كلام الاحنف معجبين به.

وقد تقدم إبطال هذه البيعة بستة أوجه، فإن كانت هذه الأمور كلها سائغة في اجتهاد معاوية فإنها غير سائغة في اجتهاد جمهور الأمة الإسلامية والممتنعين من بيعة ابنه والممتنعون من بيعة يزيد جازمون بأنه صاحب لهو ولا تجوز بيعة لاه في اجتهادهم، فابن أبي بكر مات في حياة معاوية ولم يبايع ابنه، وابن عمر بايعه بعد موت أبيه وقال: إن كان خيرا رضينا وإن كان شرا صبرنا.

وبيعة ابن عمر له لا تكون حجة على الحسين وابن الزبير، لأن ولايته على الأمة في اجتهادهما منكر تجب إزالته، وليس هو صحابيا ولا مفضولا حتى لا يسوغ لهما الامتناع من بيعته، ولا تفضيل بين صحابي وغيره، ولا بين تقي ولاه.

فالحسين بين شرين: بيعة من لا يسوغ له مبايعته في اجتهاده، أو امتناعه منها واعتزاله، ولكن يزيد لا يتركه واعتزاله، بل لا بدان يبرهن للناس على ظلمه بقتل الحسين حالا إن امتنع من بيعته، ولا يجوز له قتله لامتناعه من بيعته، فإذا وجد الحسين اعوانا على إزالة هذا المنكر أو على الامتناع منه وقتا ما تعين المصير إليه.

فالمصلحة المطلوبة للحسين في امتناعه من بيعة يزيد هي تغيير المنكر، وهو منوط باجتهاده، ولا يضره عدم حصول مطلوبه بسبب القضاء المبرم عليه، فكم في التاريخ من قائم بالحق قتل دون نيل مقصوده، وكم فيه من مبطل صارت له صولة ودولة.

وفي الحديث المتواتر: (من قتل دون ماله فهو شهيد، ومن قتل دون دمه فهو شهيد، ومن قتل دون دينه فهو شهيد، ومن قتل دون أهله فهو شهيد) ، والعموم فيه شامل لكل مقتول.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت