فهرس الكتاب

الصفحة 502 من 562

وأني لا أدري كيف يكفرون من يقول: ان الله خالق كل شيء، وبيده ملكوت كل شيء، وإليه يرجع الأمر كله، والمتوسل ناطق بهذا في توسله، فإن المتوسل إلى الله تعالى بأحد أصفيائه قائل إنه لا فاعل إلا الله، ولم ينسب إلى من توسل به فعلا ولا خلقا، وإنما أثبت له القربة والمنزلة عند الله تعالى، وهي ثابتة لا شك فيها، وبها يشفع صلى الله تعالى عليه وسلم للخلائق يوم القيامة، وبهذا الاعتقاد الراسخ الذي يكاد يكون فطريا في النفوس كلها ذهبت الخلائق يوم القيامة إلى الأنبياء والمرسلين ليشفعوا لهم عند الله تعالى، على أن المؤمن قد خرج من تلك الوساوس بعقتضى إيمانه بأن الله تعالى ليس له شريك، وأن لا إله إلا هو، حتى اننا لو رأيناه أسند شيئا لغير الله عز وجل، علمنا بمقتضى إيمانه أنه من الإسناد المجازي لا الحقيقي.

وقد قررنا ذلك في نحو قوله (أنبت الربيع البقل) وفرقنا بين صدوره من المؤمن وصدوره من الكافر فالمستغيث لا يعتقد أن المستغاث به من الخلق مستقل في أمر من الأمور غير مستمد من الله تعالى أو راجع إليه، وذلك شيء مفروغ منه، ولا فرق في ذلك بين الأحياء والأموات، فان الله خالق كل شيء ولا تأثير عندنا لشيء في شيء بنفسه فهذا هو ما عليه جماعة أهل الحق.

وقد قال تعالى: {وَإِنِ اسْتَنْصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ} [الأنفال: 72] ، وقال تعالى: {فَاسْتَغَاثَهُ الَّذِي مِنْ شِيعَتِهِ عَلَى الَّذِي مِنْ عَدُوِّهِ} [القصص: 15] ، وقال تعالى: {فَارْزُقُوهُمْ مِنْهُ} [النساء: 8] الخ ما في الكتاب والسنة، وهو كثير في لسان الشرع ومعروف في بديهة الفطرة.

وأعجب العجب أنهم لا يتحاشون الإسناد إلى الجمادات ولا يمتعصنون منه فيقولون: أرواني الماء وأشبعني الخبز ونفعني الدواء، فإذا سمعوا مثل ذلك الإسناد إلى النيب صلى الله تعالى عليه وسلم قامت قيامتهم وتبجح سفهاؤهم، ويحسبون أنهم يحسنون صنعا، وانا نسألهم: (وهم أكثر الناس تراميا على الناس) هل تعتقدون أن من تسألنه في قضاء حاجاتكم خالق مع الله مستقل؟، فإذا اعتقدتم ذلك كنتم أولى بالإشراك، وإن قلتم اننا نذهب إليه ونسند له الفعل والاعطاء والمنع على سبيل المجاز والتسبب فإن الله تعالى جعله

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت