منه ويدعون في حصة هذه المنفصلات وتمام انحصارها الضرورة، والجواب: المنع كيف وليس تركيبها عن الشيء ونقيضه أو المساوي لنقيضه، وأطبق أكثر العقلاء على خلافها وعلى أن الموجود إما جسم أو جسماني، أو ليس بجسم ولا جسماني، وكذا باقي التقسيمات المذكورة والجزم بالانحصار في القسمين إنما هو من الأحكام الكاذبة للوهم، ودعوى الضرورة مبنية على العناد والمكابرة أو على أن الوهميات كثيرا ما تشتبه بالأوليات.
وإما الثاني فكقوله تعالى: {هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ} [البقرة: 210] ، {الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى} [طه: 5] ، {إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ} [فاطر: 10] ، {وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ} [الرحمن: 27] ، {يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ} [الفتح: 10] ، {وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي} [طه: 39] ، {لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ} [ص: 75] ، {وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ} [الزمر: 67] ، {يَاحَسْرَتَا عَلَى مَا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ} [الزمر: 56] إلى غير ذلك، وكقوله عليه الصلاة والسلام للجارية: (أين الله) فقالت: في السماء، فلم ينكر عليها وحكم بإسلامها، وكقوله عليه الصلاة والسلام: (ان الله ينزل إلى سماء الدنيا - الحديث) ، (ان الله خلق آدم على صورته) ، (ان الجبار يضع قدمه في النار) ، (انه يضحك إلى أوليائه) ، (ان الصدقة تقع في كف الرحمن) إلى غير ذلك.
والجواب أنها ظنيات سمعية في معارضة قطعيات عقلية، فيقطع بأنها ليست على ظواهرها، ويفوض العلم بمعانيها إلى الله تعالى مع اعتقاد حقيقتها جريا على الطريق الأسلم الموافق للوقف على (( إلا الله ) )في قوله تعالى: {وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ} [آل عمران: 7] ، أو تؤول تأويلات مناسبة موافقة لما عليه الأدلة العقلية، على ما ذكر في كتب التفاسير وشروح الأحاديث، سلوكا للطريق الأحكم الموافق للعطف في {إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ} [آل عمران: 7] .
فإن قيل: إذا كان الدين الحق نفى الحيز والجهة، فما بال الكتب السماوية والأحاديث النبوية مشعرة في مواضع لا تحصى بثبوت ذلك، من غير أن يقع في موضع منها تصريح بنفي ذلك وتحقيق؟، كما كررت الدلالة على وجود الصانع ووحدته وعلمه وقدرته وحقيقة المعاد وحشر الأجساد في عدة مواضع، وأكدت غاية التأكيد مع أن هذا