أيها المسلمونَ: احتلَ الصليبيونَ الكثيرَ من الممالكِ الإسلاميةِ في فلسطينَ وشمالِها، وكانَ مما احتلوه بيتُ المقدسِ، فصُعقتِ الأمةُ الإسلاميةُ لهذه الأحداثِ المتواليةِ وهبت لجهادِ الصليبينَ، وقامَ قادةٌ كبارٌ- مثلُ نورِ الدينِ محمود زنكي، وعمادِ الدينِ زنكي، وصلاحِ الدينِ الأيوبي- وغيرِهم بإحياءِ روحِ الجهادِ في الأمةِ الإسلاميةِ، فسارت جحافلُ الجهادِ تقاتلُ الصليبينَ حتى انتصروا عليهم وقضوا على كثيرٍ من ممالكِهم، وقد تُوجَ ذلكَ باستردادِ بيتِ المقدسِ على يدِ صلاحِ الدينِ الأيوبي، فكانَ يومًا مشهودًا، فرحَ به المسلمونَ فرحًا عظيما، وأغتاظَ الصليبيونَ لاستردادِ المسلمينِ بيتَ المقدسِ، ولبسَ رهبانُهم وقساوستُهم السوادَ، وأظهروا الحزنَ على خروجِ بيتِ المقدسِ من أيديِهم، وأخذهم البطريكُ الذي كانَ بالقدسِ وجالَ بهم بلادَ الصليب، يحثونَهم على الانتصارِ لبيتِ المقدسِ، ويحدِثُونَهم عما جرى على أهلِ السواحلِ من القتلِ والسبيِ وخَرابِ الديارِ، وقد صوروا صورةَ المسيحِ وجعلوهُ مع صورةِ عربيٍ يضربُه، وقد جعلوا الدماءَ على صورةِ المسيحِ عليه السلامُ المزعومةِ، وقالوا لهم: هذا المسيحُ يضربُه نبيُ العربِ وقد جرحه فماتَ، فعظمَ ذلكَ على الصليبينَ، فحشروا وحشدوا حتى النساءَ والأطفالَ، ومن لم يستطع الخروجَ استأجرَ من يخرجُ عوضَه، أو يعطيَهم مالًا على قدرِ حالِه، فاجتمعَ لهم من الرجالِ والأموالِ مالا يتطرقُ إليه الإحصاءُ.