أيها المسلمون: السفر هو قطع المسافات والمراحل بنية السفر، وسمي سفرًا لأنه يسفر عن وجوه المسافرين وأخلاقهم ، فيظهر ما كان منها خافيًا ، روى ابن أبي الدنيا أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه رأى رجلًا يثني على رجل فقال: أسافرت معه ؟ قال: لا قال أخالطته ؟ قال: لا ، قال عمر رضي الله عنه والذي لا إله إلا هو ما تعرفه .
عباد الله: لقد كان أبائنا في القديم وأهل الجاهلية من قبلهم مع حاجتهم إلى السفر واضطرارهم إليه أحيانًا ، يعانون في سلوك سبيله المتاعب، ويتجرعون الغصص ، نظرًا لقلة الإمكانيات ، وانعدام الأمن ، وطول المسافات ، هذا فضلًا عن مفارقة الأهل والأبناء والأصحاب ، ولذا قال المصطفى صلى الله عليه وسلم:"أن السفر قطعة من العذاب".
والعذاب هنا هو الألم الناشيء عن المشقة ، لما يحصل في الركوب والمشي من ترك المألوف .. كما قال ابن حجر رحمه الله تعالى ، ولقد سئل إمام الحرمين: لم كان السفر قطعة من العذاب ؟ فأجاب على الفور: لأنه فيه فرقة الأحباب .
أيها المسلمون: ومع العذاب الذي يصاحب السفر غالبًا إلا أن السفر في هذه الأزمان يختلف عن السفر في قرون مضت ، فقد مهدت الطرق ، وجرت عليها الآلات بشتى أنواعها ، فهي تسير بهم على الأرض إن شاءوا ، أو تقلهم الطائرات إن رغبوا ، أو تحملهم الفلك في البحر إن أرادوا ، مما يؤكد أهمية شكر الله تعالى على هذه المصنوعات السائرة ، وتلك الوسائل الباهرة . قال تعالى:"والأنعام خلقها لكم فيها دف ومنافع ومنها تأكلون ، ولكم في جمال حين تريحون وحين تسرحون وتحمل أثقالكم إلى بلد لم تكونوا بالغيه إلا بشق الأنفس إن ربكم لرؤوف رحيم .. والخيل والبغال والحمير لتركبوها وزينة ويخلق ما لا تعلمون"..