عباد الله: لقد اتعب أبو بكر رضي الله عنه من كان بعده كما قال عمر رضي الله عنه حيث كان يقدم ما يملك فداءً للدين ونصرة لسيد المرسلين صلى الله عليه وسلم، فها هو في بداية إسلامه ينفق أربعين ألف دينار وهي كل تجارته فداء وعتقًا للصحابة رضي الله عنهم الذين كانوا يعذبون أشد العذاب لأجل إسلامهم ، وبعد إسلامه لم تتوقف الصور المشرقة بل ازدادت وتكاثرت وحسبنا في هذا المقال أن نترك المجال لرفيقه عمر بن الخطاب رضي الله عنه ليحدثنا عن إحدى صور البذل والإنفاق ، حيث يقول عمر رضي الله عنه: ندب النبي صلى الله عليه وسلم للصدقة ذات يوم ، فوافق ذلك مالًا عندي ، فقلت اليوم أسبق أبا بكر، ولم أسبقه في شيء طول الدهر ، فجئت بنصف مالي فتصدقت به ، فقال صلى الله عليه وسلم ما أبقيت لأهلك ، قال عمر رضي الله عنه: أبقيت لهم مثله ، ويأتي أبوبكر بكل ماله لم يبق قليلًا ولا كثيرًا فيقول له صلى الله عليه وسلم: ما أبقيت لأهلك ، قال: أبقيت لهم الله ورسوله ، فيقول عمر: قلت في نفسي ، والله لا أسابقك إلى شيء بعد اليوم أبدا ، وإليكم عباد الله صورة أخرى لإنفاقه لا تقل روعة وجمالًا عن سابقتها يرويها أيضًا رفيقه ابن الخطاب رضي الله عنهما فيقول: كنت افتقد أبا بكر أيام خلافته ما بين فترة وأخرى ، فلحقته يومًا فإذا هو بظاهر المدينة ــ أي خارجها ،، قد خرج متسللًا فأدركته ، وقد دخل بيتًا صغيرًا في ضواحي المدينة ، فمكث هناك مدة ، ثم خرج وعاد إلى المدينة ، فقلت لأدخلن هذا البيت، فدخلت فإذا امرأة عجوز عمياء ، وحولها صبية صغار ، فقلت: يرحمك الله يا أمة الله من هذا الرجل الذي خرج منكم الآن ؟ فقالت: إنه ليتردد علينا حينًا ، والله إني لا أعرفه فقلت: فما يفعل ؟ قالت: إنه يأتي فيكنس دارنا ، ويطبخ عشاءنا ، وينظف قدورنا ، ويجلب لنا الماء ثم يذهب ، فبكى عمر حينذاك وقال: الله أكبر والله لقد أتعبت من بعدك يا أبا بكر .