غير أن هناك فرق كبير بينهما فالعقوبة نتاج غضب وانتقام من الجبار جل جلاله قال تعالى: { فَلَمَّا آَسَفُونَا انْتَقَمْنَا مِنْهُمْ فَأَغْرَقْنَاهُمْ أَجْمَعِينَ} (الزخرف:55) .وهكذا كان غرق قوم نوح عقوبة،وكان ما أصاب قوم لوط وقوم هود وقوم صالح وغيرهم عقوبة.
أما التمحيص فإنه رحمة يمحو الله به ذنوب المؤمنين ويرفع درجاتهم،ويفضح الكاذبين والمنافقين؛وهاهو الحكيم العليم يخاطب أمة الإسلام بعد ما أصابهم يوم بدر ويجمع في آية واحدة بين العقوبة والتمحيص في قوله: {وَلِيُمَحِّصَ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا وَيَمْحَقَ الْكَافِرِينَ} (آل عمران: 141) .
فانظر أخي الأريب معي كيف جعل الله التمحيص خاصًا بالمؤمنين وجعل المحق خاصًا بالكافرين.والتمحيص سنة إلهية إنسانية جعلها الله قبل التمكين،وليس بالضرورة أن يكون التمحيص نتيجة الذنوب بل قد يكون لرفعة الدرجات؛فهذا موسى كليم الله عليه السلام ومن معه من المؤمنين حينما أطبقت عليهم المحنة وبلغ منهم الخوف مبلغه خرجوا فارين بدينهم واشتدت المحنة أكثر حينما تبعهم فرعون بجيش عظيم لا قبل لهم به واشتد عليهم الحصار فكان البحر من أمامهم وفرعون من خلفهم وعبر لنا القرآن الكريم عن تلك الشدة بقول أصحاب موسى: {فَلَمَّا تَرَاءَى الْجَمْعَانِ قَالَ أَصْحَابُ مُوسَى إِنَّا لَمُدْرَكُونَ} (الشعراء:61) .
فهل كان ذلك عقوبة أم هو التمحيص قبل التمكين..؟.اسمع لربك ماذا يقول عن ذلك: {فَأَرَادَ أَنْ يَسْتَفِزَّهُمْ مِنَ الْأَرْضِ فَأَغْرَقْنَاهُ وَمَنْ مَعَهُ جَمِيعًاوَقُلْنَا مِنْ بَعْدِهِ لِبَنِي إِسْرَائِيلَ اسْكُنُوا الْأَرْضَ فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الْآَخِرَةِ جِئْنَا بِكُمْ لَفِيفً} (الإسراء:104) .
يوسف عليه السلام أصابته المحنة ورمي في البئر وبيع في سوق العبيد ثم استقر به المكان في بيت عزيز مصر وأصابه ما أصابه من محن متلاحقة أكان ذلك عقوبة أم هو التمحيص قبل التمكين..؟.