ثالثًا- فتنة اليأس والقنوط من ظهور الحق وانتصاره أمام تكالب الأعداء وتمكنهم وتسلطهم على أهل الخير بالأذى والابتلاء: مما قد يؤدي ببعض أهل الغربة إلى اليأس، وترك الدعوة حين يرى 'إقبال الدنيا على المبطلين، ورؤية الناس لهم ناجحين مرموقين، تهتف لهم الدنيا، وتصفق لهم الجماهير، وتتحطم في طريقهم العوائق، وتصاغ لهم الأمجاد، وتصفو لهم الحياة، وهو مهمل منكر لا يحس به أحد، ولا يحامي عنه أحد، ولا يشعر بقيمة الحق الذي معه إلا القليلون من أمثاله الذين لا يملكون من أمر الحياة شيئًا... فإذا طال الأمد وأبطأ نصر الله، كانت الفتنة أشد وأقسى، وكان الابتلاء أشد وأعنف، ولم يثبت إلا من عصم الله .
رابعًا- فتنة العجلة، وقلة الصبر على الأذى في الغربة: مما يؤدي ببعض من يقاسي ضغوطها إلى التسرع والاصطدام مع أهل الفساد دون مراعاة للمصالح والمفاسد؛ فينشأ جرّاء ذلك فتنة أشد، وفساد أكبر على أهل الغربة.
يوصي ابن القيم رحمه الله إخوانه قائلًا: إذا أراد المؤمن الذي رزقه الله بصيرة في دينه ، وفقهًا في سنة رسوله ، وفهمًا في كتابه وأراه ما الناس فيه: من الأهواء والبدع والضلالات ، وتنكبهم عن الصراط المستقيم الذي كان عليه رسول الله وأصحابه، فإذا أراد أن يسلك هذا الصراط فليوطن نفسه على قدح الجهال وأهل البدع فيه وطعنهم عليه وازدرائهم به ، وتنفير الناس عنه ، وتحذيرهم منه كما كان سلفهم من الكفار يفعلونه مع متبوعه وإمامه -صلى الله عليه وسلم- ، فأما إن دعاهم إلى ذلك، وقدح فيما هم عليه: فهناك تقوم قيامتهم ويبغون له الغوائل وينصبون له الحبائل . فهو غريب في دينه لفساد أديانهم ، غريب في تمسكه بالسنة لتمسكهم بالبدع ، غريب في اعتقاده لفساد عقائدهم، غريب في صلاته لسوء صلاتهم، غريب في طريقه لضلال وفساد طرقهم .