فهرس الكتاب

الصفحة 2586 من 13021

عباد الله: لئن أتت الجاهلية الحديثة - قبحها الله - بهدم صارخ للقيم ، وعداء سافر للفضائل ، ودعوة محمومة لنسيان الغيرة وجعلها من سقط المتاع ، فإن الجاهلية القديمة بالرغم مما فيها من كفر وضلال ، كانت في هذه الصفة أسعد حظًا ، وإلى الحق أكثر قربًا ، حيث جعلت للعرض مكانة عالية ، ومنزلة سامية يرخص في سبيلها كل غال ونفيس، ولقد كان من عادة العرب إذا وردوا الماء أن يتقدم الرجال والرعاة ثم النساء ، فيغسلن أنفسهن وثيابهن ويتطهرن ، آمنات ممن يؤذيهن ، فمن تأخر عن الماء حتى تصدر النساء فهو الغاية في الذل والمهانة، وقد اطلعت امرأة شريفةٌ على الخمر ثم سألت: هل تشرب هذا نساؤكم؟ قالوا: نعم. قالت: زَنًين ورب الكعبة .

لقد كان أهل الجاهلية لا يقبلون في مس العرض والقرب منه صرفا ولا عدلا، ومما يروى في ذلك أن أحدهم رأى رجلا ينظر إلى امرأته ، وقد لمس منها خيانة فطلقها وأخرجها من بيته ، غيره وحماية لعرضه ، فلما عوتب في ذلك، قال قولته المشهورة:

واترك حبها من غير بغض * وذاك لكثرة الشركاء فيه

إذا وقع الذباب على طعام * رفعت يدى ونفسي تشتهيه

وتجتنب الأسود ورود ماء * إذا كان الكلاب ولغن فيه

أيها المسلمون: جاء الإسلام فحمد لأهل الجاهلية هذا الخلق الرفيع، وجعله شعبة من شعب الإيمان ، وخصلة من خصال الشرف والمروءة ، عن أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْمُؤْمِنُ يَغَارُ وَاللَّهُ أَشَدُّ غَيْرًا"رواه أحمد بإسناد صحيح . وكيف لا تكون الغيرة سمة للمؤمن ، والمولى سبحانه متصف بها ويحبها من عباده"إِنَّ اللَّهَ يَغَارُ وَغَيْرَةُ اللَّهِ أَنْ يَأْتِيَ الْمُؤْمِنُ مَا حَرَّمَ عَلَيْهِ"رواه الترمذي وغيره بإسناد صحيح، يقول ابن القيم رحمه الله:"إذا ترحلت الغيرة من القلب ، ترحلت منه المحبة ، بل ترحل منه الدين كله"ا.هـ."

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت