عباد الله: وكما كان رسول الله أشد الخلق غيرة كان أصحابه رضوان الله عليهم أشد الناس غيرة، ، فأضحت مواقفهم مضرب المثل ، لأنهم فهموا الغيرة فهمًا واضحًا ، فحموها مما يكدرها ويضعفها أو يزيلها ، فاستفادت مجتمعاتهم ، وحسنت أحوالهم ، وساد الأمن والاستقرار ربوع بلادهم، روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال يومًا لأصحابه إن دخل أحدكم على أهله ، ووجد ما يريبه أشهد أربعا ، فقام سعد بن معاذ متأثرًا فقال: يا رسول الله: أأدخل على أهلي فأجد ما يريبني انتظر حتى أشهد أربعا ؟ لا والذي بعثك بالحق ! إن رأيت ما يريبني في أهلي لأطيحن بالرأس عن الجسد، ولأضربن بالسيف غير مصفح، وليفعل الله بي بعد ذلك ما يشاء ؟ وفي رواية قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: يا معشر الأنصار ألا تسمعون ما يقول سيدكم ؟ قالوا: يا رسول الله لا تلمه ، فإنه رجل غيور ، والله ما تزوج فينا قط إلا عذراء ، ولا طلق امرأة له فاجترأ رجل منا أن يتزوجها من شدة غيرته .. فقال صلى الله عليه وسلم: أتعجبون من غيرة سعد والله أنا أغير منه ، والله أغير مني ، وهذا علي بن أبي طالب رضي الله عنه يروى عنه أنه لما رأى الأسواق يزدحم فيها الرجال والنساء قال غيرة على نساء المسلمين: ألا تستحيون ألا تغارون ؟ فإنه بلغني أن نساءكم يزاحمن العلوج ( أي الأجانب ) في الأسواق ، وقد سمعت عائشة رضي الله عنها؛ تقرأ قوله تعالى: (وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الأُولَى) [الأحزاب:33] ، ثم تضع خمارها على وجهها وتبكي وتقول: (خان النساء العهد، خان النساء العهد) .