فيا عباد الله: إن الموعظة بالقرآن لا تقتصر على جيل دون جيل ، ولا على فئة من الناس دون أخرى ، وإن الله جعل القرآن مأدبته الأخيرة من السماء ، لم ينزله جملة كغيره من الكتب بل نجومًا متفرقة مرتلة ما بين الآية ، والأثنتين والآيات ، والسورة والقصة ، في مدة زادت على عشرين سنة ، وذلك لتتلقاه الأمة بالحفظ ، وليستوي في تلفقه في هذه الصورة الكليل والفطن ، والبليد والزكي ، والفارغ والمشغول والأمي وغير الأمي ، فيكون لمن بعدهم فيهم أسوة في نقل كتاب الله حفظًا قرنًا بعد قرن وخلفًا بعد سلف .
أيها المسلمون: لقد كانت المنازل في السابق يعرف أهلها بقراءتهم لكتاب الله يقول صلى الله عليه وسلم: أني لأعرف أصوات .الأشعريين بالليل حين يدخلون ، وأعرف منازلهم من أصواتهم بالقرآن بالليل ، وإن كنت لم أر منازلهم حين نزلوا بالنهار ... رواه المسلم . يقول أبو هريرة رضي الله عنه"البيت الذي يتلى فيه كتاب الله كثر خيره ، وحضرته الملائكة ، وخرجت منه الشياطين ، والبيت الذي لا يتلى فيه كتاب الله ضاق بأهله ، وقل خيره ، وحضرته الشياطين ، وخرجت منه الملائكة".
أيها المسلمون: أه على بيوت المسلمين حين تعج بالأصوات المنكرة ، والصور الفاضحة ، وترى فيها كل شيء إلا القرآن أو ترى القرآن ولكن لا ترى عليه أثرًا للقراءة ، وكأن البركة تكفي لوجوده ولو كان مهجورًا .
كم من أناس في هذا الزمن تولعوا بالغناء والمعازف حتى لا تفارق مسامعهم هجروا كتاب الله فلا يقرؤونه بل ولا يطيقون سماعه أحيانًا .
بيوت يحيا ليلها ويقضى نهارها بسماع الغناء والمعازف ، حتى إن أصواتها لتنبعث من وراء الجدران ، مبالغة في الجهر بالعصيان .
كم من بيوت خلت من ذكر الرحمن ، وعلا ضجيجها بمزمار الشيطان ، فانتشرت الشياطين في أرجائها ، وتربعت في أركانها ، وجالت في قلوب أصحابها ، فحرفتهم عن سبيل الغي والفساد ، فكثرت فيهم الأمراض النفسية ، والأحكام المزعجة .