يا أهل القرآن: هاهي سير بعض سلفكم وحالهم مع القرآن ، يقول عثمان بن عفان رضي الله عنه: لو طهرت قلوبكم ما شبعت من كلام الله ، وها هو أبو حنيفة النعمان يصلي صلاة العشاء خلف الإمام فيقرأ الإمام:"إذا زلزلت الأرض زلزالها"فلما قضى الإمام الصلاة وخرج الناس , نظر المؤذن إلى أبى حنيفة وهو جالس يفكر , فقلت: أقول لا يشتغل قلبه بي فلما خرجت أنزلت القنديل , ولم يكن فيه إلا زيت قليل , فجئت وقد طلع الفجر وهو قائم قد اخذ بلحية نفسه , وهو يقول: يا من يجزي بمثقال ذرة خير خيرا ، ويا من يجزي بمثقال ذرة شر شرا، أجر النعمان عبدك من النار ، وما يقرب منها من السوء وأدخله في سعة رحمتك ، قال:فأذنت فلما دخلت قال: تريد أن تأخذ القنديل ، قلت: قد أذنت لصلاة الغداة ، قال: أكتم علي ما رأيت ، وركع ركعتي الفجر ، وجلس حتى أقمت الصلاة وصلى معنا الغداة على وضوء أول الليل .
يروى أن بعض فقهاء مصر دخلوا على الشافعي رحمه الله وهو في المسجد وبين يديه المصحف ، فقال لهم الشافعي: شغلكم الفقه عن القرآن ، وإني لأصلي العتمة وأضع المصحف بين يدي ، فما أطبقه حتى الصبح.
عباد الله: إنه بقدر ما تكشف هذه النصوص عن قدر القرآن وقيمته وصرف الهمم له عند هؤلاء الأخيار ، فهي تكشف أيضًا عن جلدهم وطول مكثهم في تلاوته وتدبره ، كيف لا والمشغول بالقرآن يعطى أفضل ما يعطى السائلون:
أخرج الإمام الترمذي في جامعه في الحديث القدسي يقول الرب تبارك وتعالى:"من شغله القرآن وذكري عن مسألتي أعطيته أفضل ما أعطى السائلين"..
يا حامل القرآن إن تك هكذا * فلك الهنا بفوز عقبى الدار
ومتى أضعت حدوده لن تنتفع * بحروفه وسكنت دار بوار
الخطبة الثانية: