عباد الله: إن العبد إذا تدبر نعم الله عليه وتبصر فيها ، ووازن بين حالة وجودها وبين حالة عدمها ، تنبه عقله لمواضع المنة ، بخلاف من جرى مع العوائد ورأى أن هذا أمر لم يزل مستمرًا ولا يزال ، وعمي قلبه عن الثناء على الله بنعمه ورؤية افتقاره إليها في كل وقت ، فإن هذا لا يحدث له فكره شكرًا ولا ذكرا .
أيها المسلمون: في النوم سر من أسرار الله الدالة على قيوميته ووحدانيته ، وأنه سبحانه المتفرد بتدبير العباد في يقظتهم ومنامهم ، [وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ بِاللَّيْلِ وَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُمْ بِالنَّهَارِ ثُمَّ يَبْعَثُكُمْ فِيهِ لِيُقْضَى أَجَلٌ مُسَمًّى ثُمَّ إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ ثُمَّ يُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ] {الأنعام:60} .
عباد الله: إن الأنفس يتوفها الله جميعًا عند نومها ، فإذا شاء أن يفسح لبعضها في الأجل ، أعادها إلى الحياة مرة أخرى ، ومن قدر عليها الوفاة أمسكها فلا يقظة بعد هذه النومة إلا يوم ينفخ في الصور ، فمن ذا الذي يقدر على هذا ويقدره سوى الله جل جلاله ، [اللهُ يَتَوَفَّى الأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضَى عَلَيْهَا المَوْتَ وَيُرْسِلُ الأُخْرَى إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ] {الزُّمر:42} .
أمامك يا نومان دار سعادة * يطول الثوى فيها ودار شقاء
خلقت لإحدى الغايتين فلاتنم * وكن بين خوف منهما ورجاء