عبد الله: إذا كنت لا تدري إذا صعدت روحك إلى بارئها ــ حال النوم ــ أتكون ممن تمسك روحه فلا تعود ، أم ممن ترسل لتستكمل بقية أجلها ، فليس يليق بك أن تودع الدنيا بالفجور والعصيان أو أن يكون آخر ما يقرع سمعك ما يغضب الرحمن ، بل ودع الدنيا بخير ما ينبغي أن تودع به من ذكر الله ، وعزيمة على القيام لأداء فريضة الله ، وإذا أنعم الله عليك وأمد في عمرك فاستيقظت فاحمد الله ، وقل كما قال المصطفى صلى الله عليه وسلم:"الحمد لله الذي أحيانا بعد ما أماتنا وإليه النشور"أخرجه البخاري ومسلم .
اللهم يا حي ياقيوم فقهنا في الدنيا ، وارزقنا شكرك وذكرك وحسن عبادتك .
الخطبة الثانية
عباد الله: أعمار أمة محمد صلى الله عليه وسلم ما بين الستين والسبعين ، ومن نام في يومه وليلته ثمان ساعات وأمد الله في عمره حتى بلغ 60 سنة فقد أمضى من عمره عشرين سنة نائمًا ، وإن العاقل منا حين يدرك مضي كل هذا العمر في النوم ، العاقل هو من ينتفع بنومه ، ويضمه إلى ميزان حسناته ، ويجعله عبادة يثاب عليها ، بدلا من أن يخسر كل هذا الكم من ساعات وأيام حياته دون فائدة ، وقد كان ابن عمر رضي الله عنهما يقول:"إني لأحتسب نومتي (أي أرجو الثواب عليها ) كما احتسب قومتي".
أيها المسلمون: إن المتأمل اليوم في حال العلماء الربانيين ، والدعاء المخلصين يلحظ قلة نومهم ــ مع حرصهم على أخذ كفايتهم ــ وهذا هو ديدن السلف رحمهم الله تعالى ، لا يطعمون الكرى إلا قليلا ، ولا يهجعون في ليلهم إلا يسيرا ، تتجافى جنوبهم عن المضاجع يدعون ربهم خوفًا وطمعًا ، قال الحسن البصري رحمه الله: توبوا إلى الله من كثرة النوم والطعام ، وقال ابن قدامة المقدسي رحمه الله: وينبغي ألا ينام حتى يغلبه النوم ، فقد كان السلف لا ينامون إلا غلبة ، ويقول الضحاك رحمه الله: أدركت أقواما يستحيون من الله في سواد هذا الليل من طول الضجعة .