أيها المسلمون: مال عمرُ الفاروق رضي الله عنه إلى التاريخ بالهجرة لأنه فرقّت بين الحق والباطلِ ثم تشاور الصحابة رضوان الله عنهم من أي شهر يكون ابتداء السنةِ فقال بعضهم من شهر رمضان لأنه الذي فيه أنزل القرآن ، وقال آخرون: بل من ربيع الأول وقت مهاجرهِ ، واختار عمر وعثمان وعليٌ رضي الله عنهم أن يكون ابتداءُ السنةِ من المحرمِ ، لأنه شهرٌ حرامٌ يلي شهر ذي الحجة الذي يؤدي المسلمون فيه حجهم الذي به تمام أركان دينهم ، ولأن ابتداء العزم على الهجرةِ كان فيه ، إذ البيعةُ كانت في ذي الحجةِ ، وهي مقدمة للهجرةِ ، وأول هلالِ هل بعدها المحرم، فكان ابتداء السنة الإسلامية الهجرية من شهر المحرم ، وقد ذكر بعض العلماء أن في القرآن الكريم إشارة إلى ابتداء التاريخ الإسلامي بالهجرة وذلك في قول الله تعالى:"لَّمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَن تَقُومَ فِيهِ ..." [ التوبة: 108] . ففي قوله ( من أول يوم ) إشارة إلى أن ذلك اليوم ينبغي أن يكون هو أول أيام التاريخ عند المسلمين، وهو ما فهمه الصحابة رضي الله عنهم فجعلوا ابتداء التاريخ الإسلامي من هجرة النبي صلى الله عليه وسلم.
أيها المسلمون: إن من نعمةِ الله على عباده ، ورحمتِه بهم أن جعل معرفة السنين والشهور مرتبطًا بسير القمر وتنقله في منازله ، لأنه علامةٌ في السماء ظاهرةٌ وبينةٌ ، لا تحتاج إلى حسابِ ولا كتاب ، فمتى رئي الهلال من أول الليل دخل الشهر الجديد وخرج الشهر السابق، وهكذا يعرفُ الناس مواقيت عبادتهم ، وتواريخ أيامِهم ، قال تعالى: (يسألونك عن الأهلة قل هي مواقيت للناس والحج) ( البقرة 189) ، قال تقي الدين رحمه الله: فأخبر أنها مواقيتُ للناسِ وهذا عامٌ في جميع أمورهم ..أ. هـ.