عباد الله .. وإذا عُلمت منزلة الإمامة والإمارة من الدين، فههنا وقفة رابعة وأخيرة مع البيعة .
فالإمامة لا تتم شرعًا دون عقد البيعة، وهذا العقد يكون بين طرفين ، تنيب الأمة بموجِبه الإمام في إدارة شؤونها .
ولهذا ، أوجب الإسلام على الأمة البيعةَ للإمام الجديد الذي تثبت ولايته ، إما بتولية من قبله له، كما فعل أبو بكر رضي الله عنه في توليته الخلافة من بعده لعمر ، أو بتوليته من قبل أهل الحل والعقد كما فعل الصحابة ممن خصهم عمر باختيار الخليفة عثمان رضي الله عن الجميع .
وإن من نعم الله على هذه البلاد ما جرى من انتقال المُلك إلى ولي العهد بطريقة شرعية واضحة ، عيَّن فيها الملك الجديد ولي عهده ، وسارت الأمور بهدوء وحكمة ، واجتماع للكلمة ، فلله الحمد والمنّة .
فإذا ثبتت ولاية الملك لزم جميع أهل البلد مبايعته والسمع والطاعة له .
فمن كان من أهل الحل والعقد والشهرة فبيعته بالقول والمباشرة باليد إن كان حاضرًا، أو بالقول والإشهاد عليه إن كان غائبًا، فقد روى البخاري في صحيحه عن عبد الله بن دينار قال لما بايع الناس عبد الملك بن مروان كتب إليه عبد الله بن عمر: إلى عبد الله عبد الملك أمير المؤمنين ، إني أُقر بالسمع والطاعة لعبد الله عبد الملك أمير المؤمنين ، على سنة الله وسنة رسوله فيما استطعت ، وإن بنيّ قد أقروا بذلك .
وأما بقية الناس فليس من شرط ثبوت الإمامة أن يبايعه كل أحد، يقول القرطبي: ليس من شرط ثبوت الإمامة أن يبايعه كل من يصلح للمبايعة، ولا من شرط الطاعة على الرجل أن يكون من جملة المبايعين، فإن هذا الاشتراط مردود بإجماع المسلمين أولهم وآخرهم سابقهم ولاحقهم . أ.هـ
فمن هنا نعلم عباد الله أنه بمبايعة وجهاء هذه البلاد من أمراءَ وعلماءَ وأعيانِ قبائلَ وأسرٍ ، فقد ثبتت البيعة للملك في عنق الجميع ووجب على جميع الناس في هذه البلاد السمع والطاعة له وعدم الخروج أو الافتيات عليه .