كانت حياته - صلى الله عليه وسلم - نقاءً وصدقًا، وعفافًا وطهرًا، لم يُجَرِّبوا عليه كذبًا ؟ لم يظلم إنسانًا؟ لم يخُن صديقًا ولا عدوًًا؟ لم يكشف عورة؟ لم يخفر ذمة؟ لم يقطع رحمًا؟ لم يتخل عن مروءة؟ لم يشتم أحدًا؟ لم يشرب خمرًا؟ لم يستقبل صنمًا؟
شخصية فريدة .. جعلت سادةَ قومهِ يُسارِعُون إلى الاستجابة لدعوته ، كأبي بكرٍ وطلحةَ والزبير وعُثمانَ وغيرِهم، تاركين وراءهم كلَّ مجدٍ وجاه ، مستقبلينَ حياةً تمورُ بالأعباءِ وبالصعابِ .
شخصية فريدة .. جعلت ضعفاءَ قومهِ يلوذُونَ بحماه، ويَهرَعُونَ إلى رايتهِ ودَعوتهِ، وهم يُبصرُونَهُ أعزلَ من المالِ ومن السلاح، يَنزلُ بهِ الأذى، ويُطارِدُهُ الشرُ ، دُونَ أن يملكَ لهُ دفعًا .
إنها القدوة ، التي جعلت أتباعه يزيدُونَ ولا ينقُصُون، وهُو الذي يهتفُ فيهم صباحَ مساء، لا أملكُ لكم نفعًا ولا ضرًا، ولا أدرِي ما يُفعلُ بي ولا بكم .
إنها القدوة ، التي تملأ القلوب يقينًا وعزمًا .
لو أطلق الكونُ الفسيح ُلسانَه / لسرتْ إليك بمدحه الأشعارُ
لو قيل: مَنْ خيرُ العبادِ،لرَدَّدتْ / أصواتُ مَنْ سمعوا: هو المختارُ
لِمَ لا تكون؟ وأنتَ أفضلُ مرسلٍ/ وأعزُّ من رسموا الطريق وساروا
ما أنت إلا الشمسُ يملأ نورُها / آفاقَنا ، مهما أُثيرَ غبارُ
لقد كان الصحابة يرونه بينهم صاحب رسالةٍ سامية ، لم يكن ليسعى إلى جاهٍ ولا مالٍ ولا سيادة .
لقد كانوا يرونه أوابًا منيبًا حتى اللحظةَ الأخيرةِ من حياته .. لا يكادُ النصفُ الأخيرُ من الليلِ يبدأُ ، حتى ينتفضَ قائمًا، فيتوضأَ ويُناجيَ ربَّهُ فتتورم قدماهُ وهُو يصلي ، ويبكي وهو يُصلي .
لقد كانوا يرونه - صلى الله عليه وسلم - سيدًا للمتواضعين، وإمامًا للعافين.