فهرس الكتاب

الصفحة 3885 من 13021

لقد دانتِ البلادُ كُلَّها لدعوتهِ، ووقفَ أكثرَ ملوكِ الأرضِ أمامَ رسائِلِهِ التي دَعاهم بها إلى الإسلام، وجِلِينَ ضارعين، فما استطاعت ذرةٌ من زُهوٍ وكبرٍ أن تمرَّ بهِ ولو على بعدِ فراسخ، بل كانَ يمشي - صلى الله عليه وسلم - مع الأرملةِ والمسكينِ والعبد، حتى يقضي حاجته .

وحينَ رأى بعضُ القَادِمين عليهِ يَهابُونُهُ في اضطرابٍ ووجل، قال لأحدهم: (هَوِّن عليك، إنما أنا ابن امرأة كانت تأكلُ القَدِيدَ بمكة)

لقد ألقى كل أعداءِ دينهِ السلاح، ومدُّوا إليهِ أعناقهم ليحكمَ فيها بما يرى، ومعه عشرةُ آلافِ سيفٍ تتوهجُ يومَ الفتحِ فوق رُبى مكةَ، فلم يزد على أن قالَ لهم: (اذهبوا فأنتم الطلقاء) .!

بل كان من تواضعه ، أنه حرم نفسه رؤيةِ النصرِ الذي أفنى في سبيلهِ حياتَهُ .. فقد سارَ - صلى الله عليه وسلم - في موكبِ النصر يومَ الفتح، مطأطئًا رأسهُ ، حتى تعذرَ على الناسِ رُؤيةُ وجهه الأزهر، مُرددًا بينهُ وبينَ نفسهُ ابتهالاتِ الشُّكرِ المبللةِ بالدموع، في حياءٍ وتواضعٍ لربِّهِ العليِّ الكبير، حتى وصلَ الكعبة، وأعمل في الأصنامَ معولَه ، وهُو يقولُ: (جاءَ الحقٌّ وزهقَ الباطل، إنَّ الباطلَ كان زهُوقا ) .

لقد كان - صلى الله عليه وسلم - قائدًا فذًا ، وعابدًا منيبًا ، وأبًا عطوفًا ، وزوجًا ودودًا لطيفًا ، وصديقًا حميمًا ، وقريبًا كريمًا ، وجارًا تشغله هموم جيرانه ، وحاكمًا تملأ نفسَه مشاعرُ محكوميه ، ومع هذا كله فهو قائم على أعظم دعوة في التاريخ .

صلى الله عليك يا رسول الله ، صلاةً دائمةً ما تعاقب الليل والنهار .. ونسألُ الله جلَّ جلالهُ أن يجعلنا من أنصارِ دينهِ، وحُماةِ عقيدتهِ وحُرَّاسِ ملته .. إنه على كل شيء قدير .

... ... الخطبة الثانية

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت