الحمدُ للهِ معزِّ من أطاعهُ واتقاه، ومذلِّ من عصاهُ واتبع هواه، أحمُدُهُ سُبحانهُ وأشكره، وأشهدُ أن لا إلهَ إلاَّ اللهَ وحدهُ لا شريكَ له، وأشهدُ أنَّ محمدًا عبدهُ ورسولهُ- صلى الله عليه وعلى آلهِ وصحبهِ وسلمَ- تسليمًا كثيرًا، أمَّا بعد .
عباد الله .. لقد رأى الصحابة الصفاتِ العظيمة ، والأخلاقَ الكريمة ، متمثلة في شخصه - صلى الله عليه وسلم - قبل نصه ، وفي سيرته قبل كلمته .. لم يقرؤوا هذه الصفات والأخلاق في كتاب جامد ، بل رأوها في بشر متحرك ، فتحركت لها مشاعرهم ، وقبلتها نفوسهم ، فكان - صلى الله عليه وسلم - أكبر قدوة للبشرية في تاريخها الطويل .
بالله عليكم ، هل رأت الدنيا قائدًا أعظم وأرحم من محمد - صلى الله عليه وسلم - ؟ وهل رأت الدنيا زوجًا ألطف من محمد - صلى الله عليه وسلم - ؟ وهل رأت الدنيا صديقًا أوفى من محمد - صلى الله عليه وسلم - ؟ وهل رأت الدنيا حاكمًا أعدل من محمد - صلى الله عليه وسلم - ؟ .
كيف وقد رآه الناس في الأيام الأخيرة من حياته ، وهو يصعدُ المنبرَ ويقول: (من كنتُ جلدتُ لهُ ظهرًا فهذا ظهري فليستقدْ منه، ومن كنتُ أخذتُ لهُ مالًا فهذا مالي فليأخذ منهُ) .
يقول هذا ، وهو الذي مات - صلى الله عليه وسلم - حتى حطمه الناس .. يقول هذا وهو الذي يعطي عطاء من لا يخشى الفقر .. يقول هذا وهو الزاهد في الدنيا، الذي مات - صلى الله عليه وسلم - ودرعهُ مرهونة عند يهودي.
وحتى آخر رمق من حياته ، كان بأبي هو وأمي - صلى الله عليه وسلم - ، رحيمًا بأصحابًا ، حريصًا على أمته .. فقد كان - صلى الله عليه وسلم - يلفظ أنفاسه الأخيرة ، ويعالج شدة آلم الموت وسكرته ، ومع هذا لم ينس أمته ، لم ينس أن يوصيَها بما ينْجيها من عقوبة الله ، فيقول: (الصلاة الصلاة وماملكت أيمانكم) .