فهرس الكتاب
بشره الله فيها بنصره وفتح مكة، وقد نصره الله على العرب كافة بل والعجم، وفتح عليه بلده مكة، بعد أن أخرج منها قبل ثمان سنوات من هذا الفتح، ولما فتحت مكة دخل الناس في دين الله أفواجًا، ففي صحيح البخاري عن عمرو بن سلمة، قال: لما كان الفتح بادر كل قوم بإسلامهم إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، وكانت الأحياء تلوم بإسلامها فتح مكة فيقولون: دعوه وقومه فإن ظهر عليهم فهو نبي، وقالت العرب لما فتحت مكة، أما إذا ظفر محمد بأهل مكة وقد أجارهم الله من أصحاب الفيل فليس لكم به بد أن تدخلوا في دين الله أفواجًا، فلما حصل هذا النصر أمر الله نبيه أن يحمده على ذلك ويشكره فيكثر من التسبيح والاستغفار، وفي هذا الأمر شيئان:
أولهما: أن النصر سيستمر لهذا الدين، ويزداد ما التزمت الأمة بتسبيح الله واستغفاره وشكره، والله يقول: { لَئِن شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ } ، وقد كان ذلك ظاهر في زمن الخلفاء الراشدين ومن بعدهم، حتى وصل الإسلام إلى ما لم يصل إليه غيره، حتى خالفت الأمة أمر الله، وابتعدت عن دينه، فتفرقت كلمتهم وتسلط عليهم أعداؤهم، وضعفت قوتهم، ومع ذلك فلا زال في الأمة بقايا خير، وهي راجعة إلى دين الله ما ظهر فيهم تعظيم الله والتزام أمره.
وثانيهما: الإشارة إلى قرب وفاة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، فأمر أن يختم حياته بالاجتهاد في العبادة، ولهذا كان بعد نزول هذه السورة يكثر أن يقول في ركوعه وسجوده: سبحانك اللهم ربنا وبحمدك اللهم اغفر لي، يتأول القرآن، وعن ابن عباس أن النبي - صلى الله عليه وسلم - لما نزلت هذه السورة أخذ في أشد ما كان اجتهاده في أمر الآخرة.
بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم...
الخطبة الثانية:
الحمد لله رب العالمين والعافية للمتقين.
وأشهد أن لا إله إلا الله ولي الصالحين، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، الصادق الأمين، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه أجمعين، أما بعد: