فهرس الكتاب

الصفحة 4172 من 13021

قال ابن الجوزي: المعنى أنه خامل الذكر، لا يقصد السمو، فأين اتفق له السير سار، وإنما ذكر الحراسة والساقة، لأنهما أشد مشقة.

ثم ذكر الصفة الخامسة لهذا المجاهد: إنه إذا استأذن لم يؤذن له، وإن شفع لا يُشفَّع؛ إن استأذن على السلطان لم يؤذن له، وإن شفع في أمر يحبه الله لم تقبل شفاعته: لأنه لا جاه له، ولا منزلة، ولأنه ليس من طلابها، وإنما يطلب ما عند الله، لا يقصد بعمله سواه.

وهذه الأمور لا تكون لهوان المؤمن على الله، بل لكرامته؛ إذ أن دنو مرتبة الإِنسان عند الناس؛ لا يستلزم منه دنو مرتبته عند الله - عزَّ وجلَّ-، وقد أفاد الحديث أن المخلص الذي يريد بعمله وجه الله، لا يهمه أي موقع عمل

لله فيه، فإذا جُعل مسئولًا أو قائدًا فإنه يقوم بالمهمة خير قيام، وإن كان في

عمل دون ذلك قبل راضيًا، باذلًا جهده متقنًا عمله، فهو المخلص يقدم الخير لأمته في أي موقع كان؛ فعلى العبد أن يبتغي بأعماله الصالحة الثواب والجزاء من الله رب العالمين، وأن يحذر من إرادة الدنيا وزينتها بعمله الصالح؛ لئلا يكون ممن قال الله فيهم: {وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاء مَّنثُورًا} [الفرقان: 22] .

فأعمال الكفار من يهود ونصارى وغيرهم لا تُقبل إذا عملوا أعمالًا خيرية كمساعدة الفقراء وعلاج المرضى؛ لكفرهم بالله العظيم؛ ولكن من تمام عدل الله - سبحانه - ما ورد في صحيح مسلم عنه - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «إن الكافر إذا عمل حسنة أُطعم بها طعمة في الدنيا» .

أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: {مَن كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لاَ يُبْخَسُونَ} [هود: 15] .

بارك الله لي ولكم...

الخطبة الثانية

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت