فهرس الكتاب

الصفحة 4553 من 13021

أما بعد فيا عباد الله: إن كل إساءة تقابل بالإحسان سوف يكون له الأثر الطيب في محو أثرها، ومعالجة ما أحدثته من صدع وجفاء ومن أجل ذلك وجه رب العزة عباده إلى اتباع السيئة بالحسنة فقال عز من قائل: { ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ السَّيِّئَةَ } [1] وقال أيضًا: { ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ (34) } [2] ولقد جاء في تفسيرها إذا أحسنت إلى من أساء إليك قادته تلك الحسنة إلى مصافاتك ومحبتك حتى يصير كأنه ولي لك حميم أي قريب إليك من الشفقة عليك والإحسان إليك، ومقابلة السيئة بالحسنة مرتبة عظيمة لا يرتقي إليها من عباد الله إلا من امتلك زمام نفسه وقسرها على ذلك. إذ فيه خيره وسعادته في الآجلة والعاجلة وصلاح مجتمعه.

ولقد تركز في النفوس غريزة حب الانتقام والتشفي والانتصار للنفس، فمن خالف هواه وأخذ بتوجيه مولاه وقابل السيئة بالحسنة دخل في إطار من ارتفع به رب العزة إذ يقول في معرض المدح والإشادة { وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا } [3] أي ما يرتقي إلى هذه المرتبة العظيمة إلا من صبر على كظم الغيظ واحتمال المكروه { وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ (35) } [4] أي ذو حظ وافر من السعادة في الدنيا والآخرة.

أما السعادة في الدنيا فبائتلاف القلوب على محبة صاحب هذا الخلق العظيم ورعاية مصالحه والعطف عليه؛ فلا يكاد يجد له عدوا يكيد له أو يتربص به الدوائر، وتلك سعادة يحلم بها كل من عاش على الغبراء في قطع مرحلة الحياة.

(1) سورة المؤمنون آية: 96.

(2) سورة فصلت آية: 34.

(3) سورة فصلت آية: 35.

(4) سورة فصلت آية: 35.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت