فهرس الكتاب
ومن الحماقة وضعف الرأي ترافع الناس إلى الحكام فيما يقع عادة بين الجيران، من خصومات النساء ومشاجرات الصبيان، ومما جاء عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - نهيه عن إطالة البنيان إذا كان في ذلك شيء من الأذى كسد الهواء والإشراف على من يدانيك في المكان. ولقد كان يقول - صلى الله عليه وسلم - { اللهم إني أعوذ بك من جار السوء في دار المقامة، فإن جار البادية يتحول } [1] ، وقال عليه الصلاة والسلام: { اتق المحارم تكن أعبد الناس، وارض بما قسم الله لك تكن أغنى الناس، وأحسن إلى جارك تكن مؤمنًا، وأحب للناس ما تحب لنفسك تكن مسلمًا، ولا تكثر الضحك فإن كثرة الضحك يميت القلب } [2] .
بعض الناس لا يبالي بغيره إذا تمت له راحته، ولا يهمه أن يكون عباد الله كلهم ساخطين عليه وأن تدنس ساحته، ما دام ينال قصده ويصل إلى مراده ويتمتع بشهواته، وتحسن له حالته، لو كان في ذلك هلاك غيره وترك دينه وخروجه عن الشرف والمروءة ولذلك تراه بغيضًا في إخوانه ممقوتًا في جيرانه، وخفيفًا في ميزانه وسخيفًا عند من يعرفه من أهل زمانه. ومما أدرك الناس من كلام النبوة الأولى: { إذا لم تستح فاصنع ما شئت } [3] ، وقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - { إن الله قسم بينكم أخلاقكم كما قسم بينكم أرزاقكم، وإن الله تعالى يعطي الدنيا من يحب ومن لا يحب ولا يعطي الدين إلا من أحب، فمن أعطاه الدين فقد أحبه، والذي نفسي بيده لا يسلم عبد حتى يسلم قلبه ولسانه ولا يؤمن حتى يأمن جاره بوائقه } [4] .
(1) النسائي الاستعاذة (5502) ، أحمد (2/346) .
(2) الترمذي الزهد (2305) ، أحمد (2/310) .
(3) البخاري أحاديث الأنبياء (3296) ، أبو داود الأدب (4797) ، ابن ماجه الزهد (4183) ، أحمد (4/121) .
(4) أحمد (1/387) .