فهرس الكتاب
ولعلنا نزداد تصورًا وفهمًا لهذا الموقف الذي كان عليه المؤمنون حين نذكر دعاء الرسول ساعة الزحف، وهو يناجي ربه ويلح عليه: { اللهم إن تهلك هذه العصابة لا تعبد بعدها في الأرض، اللهم أنجز ما وعدت، اللهم إنهم حفاة فاحملهم، وعراة فاكسهم، وجياع فأشبعهم، وعالة فأغنهم من فضلك } [1] ، ولم يكن هذا التوجه إلى الله شأن النبي القائد وحده، بل كانت دعوات الاستغاثة متصاعدة إلى عنان السماء، تجأر إلى الله تناشده النصر والتأييد، فكانت الاستجابة لهذا الدعاء أسرع مما تصور الداعون، وهو قوله تعالى: { إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ } [2] .
لقد تبدلت الحال بعد توحد العزائم على القتال، فازداد المؤمنون توجهًا إلى الله، وتشبثًا بصدق الوجهة، وحرصًا على الموت من أجل الدعوة، على حين تراخت عزائم المشركين حين استهانوا بالمؤمنين، وزادهم البطر والرياء ضعفًا على ضعف، كما قال تعالى: { وَإِذْ زَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ وَقَالَ لَا غَالِبَ لَكُمُ الْيَوْمَ مِنَ النَّاسِ } [3] فامتلأوا غرورًا، وتلك هي المقدمات الطبيعية للهزيمة التي ذاقوا ويلاتها على يد المؤمنين، فأشبعوهم قتلًا وأسرًا وإذلالًا، وهكذا - أيها المسلمون - ذاق أصحاب نبيكم حلاوة النصر في أول معركة وعاينوا النتيجة العملية لإيمانهم بالنبي وانتصارهم له، فهذا هو الدرس الأول من دروس غزوة بدر الكبرى.
(1) مسلم الجهاد والسير (1763) ، الترمذي تفسير القرآن (3081) ، أحمد (1/31) .
(2) سورة الأنفال آية: 9.
(3) سورة الأنفال: 48.