فهرس الكتاب
بهذه الكلمات الحاسمة وضع سعد بن معاذ أرواح الأنصار بين يدي القائد الذي جمع جنوده ليوحد وجهتهم ويقوي جبهتهم، وقد تولى الله سبحانه دعم هذه الصفوف المؤمنة حين صدقت عزيمتها على مقاتلة أعدائه، فإذا بكل ما كان عامل ضعف وذلة أصبح مصدر قوة ونصر، فأما قلة عدد المؤمنين وكثرة عدد المشركين فقد شاء الله أن يدعم القلة ويهون شأن الكثرة، حين أصبح اللقاء محتمًا، وعلى ذلك فمن المفيد أن يرى المشركون عدد المسلمين قليلًا فيستهينوا بهم، والاستهانة أول عوامل الانتكاس والهزيمة، فأما المؤمنون فبرغم أنهم كانوا يعلمون أن أعداءهم كثرة، فإن الله جلت حكمته قد خيل إليهم أن هذه الكثرة قليلة الشأن، طائشة الوزن، تافهة الأثر؛ لأن عشرين صابرين يغلبون مائتين، ومائة صابرة يغلبون ألفًا من الذين كفروا.
وهكذا صورت لنا الآية الكريمة حل مشكلة العدد في قوله تعالى: { وَإِذْ يُرِيكُمُوهُمْ إِذِ الْتَقَيْتُمْ فِي أَعْيُنِكُمْ قَلِيلًا وَيُقَلِّلُكُمْ فِي أَعْيُنِهِمْ لِيَقْضِيَ اللَّهُ أَمْرًا كَانَ مَفْعُولًا } [1] .
وأما مشكلة السلاح فأمرها أهون من ذلك، إذا صح عزم المؤمن على منازلة عدوه، ومتى كان هدفه أن يموت شهيدًا في سبيل الله ورسالته، لقد كان السلاح الماضي هو الإيمان المكين واليقين الثابت في نصر الله والصبر على قساوة الصراع، وتلك هي العوامل التي تقف من وراء إمداد الله للمؤمنين بجنده الذي لا يغلب: { بَلَى إِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا وَيَأْتُوكُمْ مِنْ فَوْرِهِمْ هَذَا يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُمْ بِخَمْسَةِ آَلَافٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُسَوِّمِينَ (125) وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ إِلَّا بُشْرَى لَكُمْ وَلِتَطْمَئِنَّ قُلُوبُكُمْ بِهِ وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ (126) } [2] .
(1) سورة الأنفال: 44.
(2) سورة آل عمران: 125 - 126.