ولا يعرفها إلا الذين خالطت بشاشة الإيمان قلوبهم، وهذه هي الروحانية العجيبة التي نحياها في رمضان، روحانية صائم؛ بذرها بالجوع وسقاها بالدموع وقواها بالركوع وحسنها الخشوع والخضوع، روحانية صائم؛ فيها السعادة واللذة والأفراح والأشواق ما لا يبثه لسان ولا يصفه بيان، روحانية صائم؛ فيها الأرواح تهتز وترتاح وتطير بغير جناح، فهي في أفراح وأفراح.
روحانية الصائم ؛ فيها من الحنين لجنات النعيم ما تورمت له أقدام المتهجدين، وبذل له الثمين، وسُمع له الأنين.
روحانية صائم؛ لا يعرفها العاشقون، ولا المتصوفة الواجدون، بل هي والله حكر على المحبين الصادقين والمخلصين العارفين.
روحانية صائم؛ تخلصت من أسر الهوى والشهوة وحيل النفس والشيطان.
روحانية صائم؛ عاش في جنة الدنيا، وفى الدنيا جنة من لم يدخلها لا يدخل جنة الآخرة، ولكن كم بين خلى وسجيا وواجد وفاقد وكاتم ومبد.
معاشر المسلمين:
هذه أفراح الروح عند انتصارها؛ وفك أسرها من شهوات الجسد، ولذلك قال ابن القيم رحمه الله:"فالروح المطلقة من أسر الهوى، من أسر البدن وعلائقه وعوائقه من التصرف والقوة والنفاذ والهمة وسرعة الصعود إلى الله والتعلق بالله ما ليس للروح المهينة المحبوسة في علائق البدن وعوائقه"انتهى كلامه رحمه الله.
أطلق الأرواح من أصفادها *** في بهيج من رياض الأتقياء
غاديات رائحات كالسنا *** سابحات بين آفاق الضياء
إنها يا شهر ظمأى فاسقها *** مشتهاها من ينابيع الصفاء
شهوة الأجساد قد ألقت بها *** في قفار ليس فيها من رواء
ما غذاء الجسم في ألوانه *** فيه للأرواح شيء من حباء
إنما الأرواح تحيا بالذي *** في صيام الجسم تزجيه السماء
يا ربيع الروح اقبل وأعطها *** صولجان الحكم في دنيا الشقاء
كي يعيش الناس من آلائها *** في رفاء وازدهار وارتقاء
هل درى أهل الحجا أن الذي *** شيطن الإنسان في الأرض اشتهاء