ونهى النبي - صلى الله عليه وسلم - عن التسعيرِ ـ وهو تحديدُ ثمنٍ للسِّلَع ـ حتى في حالِ غَلاء الأسعارِ وارتفاعها؛ إذا كان الغلاء بسبَبِ تقلُّبات العرض والطلب، ولم يكن بسبب الجشَعِ والطمع، فعن أنس - رضي الله عنه - قال: غلا السعرُ على عهدِ رسولِ الله - صلى الله عليه وسلم - ، فقالوا: يا رسول الله، سعِّر لنا، فقال: (( إنَّ الله هو المسعِّر القابض الباسط الرزاق، وإني لأرجُو أن ألقَى رَبّي وليس أحدٌ يطلُبني بمظلمَةٍ في دمٍ ولا مالٍ ) )أخرجه أبو داودَ والترمذيّ وابن ماجه .
فامتناعُه - صلى الله عليه وسلم - عنِ التسعيرِ مَعَ غلاء الأسعارِ وسؤالِ الناس ذلك، وتعليلُه بكونه مظلمةً، يدلّ على أنَّ التسعير حرام .. ومع هذا، فإن هذه الشريعةَ العظيمة لم تطلِقَ الحرّيَّةَ للتجار بلا قيودٍ ولا ضوابِط، فقد قرر العلماء أنه متى ما أسَاءَ التّجّارُ استخدامَ هذه الحرّيّةِ وتعَسَّفوا وتعَدَّوا، وتَواطَؤوا وطمعوا، فرَفعوا أسعارِ السِّلَع بِلا أسبابٍ تستدعِيها ولا عوامِل تقتضيهِا، سِوى الجشعِ والطمَع، واستغلالِ رَغبةِ الناس في الشِّراءِ وحاجَتِهم الاستِهلاكيّة؛ متى ما وصل الأمر إلى هذا الحد، فإن الصحيحَ من أقوال العلماء جوازُ التسعير، ويجب على ولي الأمر أن يحمل التجار على التسعيرِ العادل الذي لا وَكسَ فيه ولا شَطَط .
ومن قواعد الشريعة الكلية: أن الضرر الأشدّ يُزال بالضَّررِ الأخفّ، وأنه يُتَحمَّل الضّررُ الخاصّ لدَفعِ ضَررٍ عامّ .
قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى:"السِّعر مِنه ما هو ظلمٌ لا يجوز، ومنه ما هو عَدلٌ جائز، فإذا تضمَّن ظلمَ الناسِ وإكراهَهم بِغير حقٍّ على البيعِ بثمن لا يرضَون، أو منعَهم مما أباحَه الله لهم فهو حرام، وإذا تضمَّن العدلَ بين الناس مثلَ إكراههم على ما يجِب عليهم من المعاوَضَة بثمن المثل ومَنعِهم مما يحرُم عليهم من أخذ زيادَةِ على عِوَض المثل فهو جائز، بل واجب".اهـ