عباد الله: استمعوا إلى ابن كثير وهو يصف بغداد بعد قتل الخليفة وكأنه يصور دار السلام والعراق اليوم:"حين قتل التتار الخليفة وأعيان البلد مالوا على بغداد ، فقتلوا جميع من قدروا عليه من الرجال والنساء والولدان ، وأعملوا السيوف في الرقاب مدة أربعين يومًا ، حتى دخل كثير من الناس في الآبار وأماكن الحشوش وقني الوسخ ، وكمنوا لذلك أيامًا لا يظهرون ، وكان الفئام من الناس يجتمعون في الحانات ، ويغلقون عليهم الأبواب فتفتحها التتار إما بالكسر أو بالنار ، ثم يدخلون عليهم فيهربون منهم إلى أعالي المكان ، فيقتلونهم في الأسطحة حتى تجري الميازيب من الدماء في الأزقة ، ولم ينج من أهل بغداد أحد سوى أهل الذمة من اليهود والنصارى ، ومن التجأ إليهم أو التجأ إلى دار الوزير ابن العلقمي الرافضي ."
لقد عادت بغداد بعد ما كانت آنس المدن كلها كأنها خراب ليس فيها إلا القليل من الناس وهم في خوف وجوع وذلة وقلة ولقد تراوحت أعداد القتلى بين مليون ومليوني قتيل على اختلاف روايات المؤرخين .
أيها المسلمون: ولما انقضت الأربعون يومًا بقيت بغداد خاوية على عروشها ، ليس بها إلا الشاذ من الناس ، والقتلى في الطرقات كأنهم التلال ، وقد سقط عليهم المطر فتغيرت صورهم وأنتنت البلاد من جيفهم ، وتغير الهواء فحصل بسببه الوباء الشديد ، ولما نودي بالأمان في بغداد خرج من كانوا تحت الأرض في المقابر والحشوش كأنهم الموتى إذا نبشوا من قبورهم، وقد أنكر بعضهم بعضا ، فلا يعرف الوالد ولده ، ولا الأخ أخاه ، ولا الزوج زوجه، و أخذهم الوباء فتفانوا ، ولحقوا من سبقهم من القتلى ، وعم الطاعون بلاد الشام ، فاجتمع على الناس الغلاء والوباء والطعن والطاعون .
لسائل الدمع عن بغداد أخبار *** فما وقوفك والأحباب قد ساروا
يا زائرين إلى الزوراء لا تغدوا *** فما بذاك الحمى والدار ديار
تاج الخليفة والربع الذي شرفت *** به المعالم قد عفاه إقفار