كانت الطفلة تصرخ من أعماق قلبها المقهور ، بالقرب من جثه والدها، وجثةِ والدتِها على شاطيء البحر ، وبين جثامين أخواتها وإخوتها التي مزقتها قذائف البوارج البحرية الاسرائيلية ، الحاقدة على الإنسانية .. لقد رآها العالم أجمع ، وهي تصرخ بصوتها المخنوق: يابا .. يابا .. دون أن يجيبها والدها أو أحد من أسرتها ، لأن قذائف الحقد كانت أسرع إليهم من صوتها الضعيف .
لم تستطع الطفلة هدى استيعاب الصدمة ، كانت تصرخ طوال الوقت: أريد أبي، أريد أمي، أين ذهب إخواني .. وخلال التشييع ، سقطت مغشيًا عليها سبع مرات ، فيقوم النساء بإيقاظها بالماء والعطور وهي تصرخ: لا تتركوني وحيدة .
وفي المقبرة ، لم يستطع الرجال منع دموعهم ، وهم يرون الطفلة النحيلة تزحف على ركبتيها نحو قبر أبيها ، لتطبع عليه قبلة ، وتطلب منه بصوت منتحب أن يسامحها ، وهي تقول: سامحني يا أبي .
حقًا .. إنها مصيبة لا يتحملها أشد الرجال، فنسأل الله تعالى وهو الرحيم بعباده ، أن يكون في عون الطفلة هدى ، وأن يعوضها خيرًا مما أخذ منها ، وإنا لله وإنا إليه راجعون .
تحدث هذه الجريمة وغيرها ، والمسلمون لا يزالون في ذلٍ وهوان ، وبعدٍ عن الرحمن .
ماذا نقول عباد الله لهذه الطفلة ولغيرها من أطفال فلسطين؟ عذرًا يا هدى ، فنحن مشغولون بدنيانا وشهواتنا .. عذرًا يا هدى فمجتمعاتنا ووسائل إعلامنا مشغولة بالمباريات ، فهي عندنا أهم من سماع هذه الصرخات .
عباد الله .. لقد أعادت هذه الجريمة إلى الأذهان السجل الأسود الإجرامي لليهود ، فإذا بنا اليوم نتذكر صرخات محمد الدرة ووالده !! ونتذكر إيمان حجو !! ونتذكر الطفلة سارة في نابلس !! ونتذكر صبرا وشاتيلا وجنين .
ولا تزال الجرائم تتكرر على مرأى ومسمع من الملايين ، دون أن يحرك العالم ساكنا، أو يهتز ضميره من هول المجازر وبشاعتها .