وعلى ساحل البحر يشتد الكرب، وعظم الخطب، ويتراءى الجمعان، وينكشف الفريقان، ويُبتلى الإيمان، ويطيش الطغيان .. وتصل الجنود الغاشمة بقيادة فرعون الطاغية مع شروق الشمس (فَأَتْبَعُوهُم مُّشْرِقِينَ فلما تراءى الجمعان قال أصحاب موسى إنَّا لَمُدْرَكُونَ) ، البحر من أمامهم، وفرعون الطاغية من خلفهم، والجبال عن أيمانهم وشمائلهم، وفي تلك الساعة الرهيبة، يقبل موسى عليه السلام على ربه، متسلحًا بالعبودية الحقه، ويطلق كلمة التوحيد واليقين التي تقطع كل الأسباب، دون رب الأرباب (كَلاَّ إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ) .. نظر موسى إلى البحر، وهو يتلاطم بأمواجه، وسرعان ما أمره الله: (أَنِ اضْرِب بِّعَصَاكَ البَحْرَ) ، هذه العصا تقلب الأمور بإذن الله، وتعصف بالتحديات، وتدمر الظالمين (وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلاَّ هُو) ، انفلق البحر بإذن الله تعالى وقدرته، وصار اثني عشر طريقًا، (كُلُّ فِرْقٍ كَالطَّوْدِ العَظِيمِ) .. أصبح ماء البحر قائمًا مثل الجبال، مكفوفًا بقدرة الكبير المتعال.. فيأمر الله تعالى موسى أن يجوز ببني إسرائيل البحر، فانحدروا فيه مسرعين مستبشرين، فلما جاوز آخرُهم، أراد موسى عليه السلام أن يضرب البحر بعصاه ليرجع كما كان، فأمره ربه القدير أن يدعه على حاله (وَاتْرُكِ البَحْرَ رَهْوًا إِنَّهُمْ جُندٌ مُّغْرَقُونَ) ، وعلى الطرف الآخر ينظر فرعون إلى هذا المنظر العظيم، فيحجم ويصيبه التردد، ثم تحمله نفسه الكافرة وسجيته الفاجرة على اللحاق بموسى ..