فوق الثرى تحت ظل الدوح مشتملًا * ببردة كاد طول العهد يبليها
فقال قولة حق أصبحت مثلًا * ... وأصبح الجيل بعد الجيل يرويها
أمنت لما أقمت العدلَ بينهمُ * ... فنمتَ نومَ قريرِ العيْن هانيها
الخطبة الثانية
عباد الله: ضرب الفاروقُ رضي اللهُ عنه أروع الأمثلة في الزهد والتواضع في لباسه وطعامه ومركبه، ولما وليَ الخلافةَ قالَ للناسِ: ألا وإني قد أنزلتُ نفسي من مالِ اللهِ بمنزلةِ اليتيمِ، إن استغنيتُ أكلتُ بالمعروفِ، وإن افتقرتُ أكلتُ بالمعروفِ.
كان راتبه رضي الله عنه من بيت مال المسلمين مقابل أن يتولى الخلافة درهمين كل يوم له ولعياله، وربما احتاج أحيانًا لمزيد ، فيقترض من بعض الناس لحاجته، فقيل له: ألا تأخذ قرضًا من بيت المال؟ قال: فإذا مت قلتم دعوها لورثته، فأسأل عنها يوم القيامة، لا ولكنني آخذها من رجل حريص شحيح، فإن مت أخذها من ميراثي.
خطبَ مرةً الناسَ وعليه إزارٌ فيه اثنتا عشرةً رقعةً، وأبطأ جمعةً في الخروجِ إلى الصلاةِ، فلما أن صعدَ المنبرَ اعتذر إلى الناسَ فقالَ: إنما حبسني قميصي هذا، لم يكن لي قميصٌ غيرُه .
ولما قدمَ عمرُ الشامَ عرضت له مخاضةٌ، فنزل عن بعيرِهِ، ونزعَ خفّه فأمسكهما بيده، وخاضَ الماءَ ومعَه بعيرُه، فقال له أبو عبيدة رضي الله عنه: لقد صنعتً اليومَ صنيعًا عظيمًا عند أهلِ الأرضِ، فصكَّ عمرُ في صدر أبي عبيدَةَ وقال: أوه، لو غيرُك يقولُها يا أبا عبيدة، إنكم كنتم أذل الناس، وأحقر الناس، وأقل الناس، فأعزكم الله بالإسلام، فمهما تطلبوا العزة بغيره يذلَّكم اللهُ .