فهرس الكتاب

الصفحة 5806 من 13021

وجيء له رضي الله عنه ذات يوم بمال كثير من العراق فقيل له: أدخِله بيت المال، فقال: لا وربّ الكعبة، لا يُرى تحت سقفه حتى أقسمه بين المسلمين، فجعل بالمسجد وحرسه رجال من المهاجرين والأنصار، فلما أصبح نظر إلى الذهب والفضة والياقوت والزبرجد والدرّ يتلألأ فبكى، فقال له العباس: يا أمير المؤمنين، ما هذا بيوم بكاء، ولكنه يوم بشرى، فقال: والله، ما ذهبتُ حيث ذهبتَ، ولكنه ما كثر هذا في قوم قطّ إلا وقع بأسهم بينهم، ثم أقبل على القبلة فقال: اللهم إني أعوذ بك أن أكون مستدرَجا، فإني أسمعك تقول: سنستدرجهم من حيث لا يعلمون [القلم:44] .

أيها المسلمون: كان عمر رضي الله عنه يمنع من استعمال الكفار في أمور الأمة أو إعزازهم بعد أن أذلهم الله، قال أبو موسى الأشعري: قلت لعمر رضي الله عنه: إن لي كاتبًا نصرانيًا، فقال: أما سمعت الله يقول: يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا اليهود والنصارى أولياء بعضهم أولياء بعض [المائدة:51] ؟! ألا اتخذت حنيفًا ـ يعني مسلمًا ـ؟! قال: قلت: يا أمير المؤمنين، لي كتابته وله دينه، قال: لا أكرمهم إذ أهانهم الله، ولا أعزهم إذ أذلهم الله، ولا أدنيهم إذ أقصاهم الله.

وكتب إليه خالد بن الوليد يقول: إن بالشام كاتبًا نصرانيًا لا يقوّم خراج الشام إلا به، فكتب إليه عمر: لا تستعمله، فكتب خالد إلى عمر: إنه لا غنى بنا عنه، فرد عليه: لا تستعمله، فكتب خالد: إذا لم نستعمله ضاع المال، فكتب إليه عمر: مات النصراني والسلام.

لقد كانت هذه السياسة العمرية الحكيمة من منع تولي غير المسلمين لأمور المسلمين ، أو جعلهم مستشارين ، أو حتى كتبة ، مستوحاة من سياسة النبي صلى الله عليه وسلم ، عندما لحقه مشرك ليقاتل معه ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (( إني لا استعين بمشرك ) ).

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت