فهرس الكتاب

الصفحة 5810 من 13021

ولم يزل به الهمّ رضي الله عنه حتى تغيّر لونه وهزل و كان لا ينام الليل إلا قليلا، قال أسلم: كنا نقول لو لم يرفع الله سبحانه وتعالى الضائقة عام الرمادة، لظننا أن عمر يموت همًا بأمر المسلمين، وعن طاووس عن أبيه قال: أجدب الناس على عهد عمر، فما أكل سمنًا ولا دسمًا حتى أكل الناس، ولقد جاءته يومًا قافلة من مصر تحمل اللحم والسّمنَ والطعام والكِساء، فوزّعها على الناس بنفسه وأبى أن يأكل شيئا، وقال لقائد القافل:ة ستأكل معي في البيت، ومنَّى الرجل نفسَه وهو يظنّ أن طعام أمير المؤمنين خير من طعام الناس. وجاء عمر والرجل إلى البيت جائعَين بعد التّعب، ونادى عمر بالطعام فإذا هو خبز مكسّر يابس مع صحنٍ من الزيت، فاندهش الرجل وتعجّب، وقال: لِمَ منعتني من أن آكل مع الناسِ لحمًا وسمنا؟! فقال عمر: ما أطعمك إلا ما أطعم نفسي، فقال الرجل: وما يمنعك أن تأكل كما يأكل الناس وقد وزّعتَ اللحم والطعامَ عليهم؟! قال عمر: لقد آليتُ على نفسي أن لا أذوقَ السمن واللحم حتى يشبعَ منهما المسلمون جميعا.

عباد الله: كان عمر يحاسب نفسه، حتى الخطرات يخشى أن تغلبه في لحظة من لحظات الضعف فينساق لها، جمع الناس يومًا في المسجد، واعتلى المنبر فقال: كنت أرعى إبل الخطاب في شعاب مكة، ومعها إبل لخالتي وكنت ألبس الصوف (الخشن) من الملابس، وكان الخطاب يرهقني (ضربًا ومساءلة) ثم نزل عن المنبر فاقترب منه ابنه عبدالله وقال: ما هذا يا أمير المؤمنين!؟والله ما زدت أن حقرت نفسك فنظر عمر إليه وقال دعني يا عبد الله رأيتُ نفسي ليس بينها وبين الله أحد فأحببت أن أحقرها وانصرف .

عباد الله: هكذا كانت سيرة الخلفاء في صدر هذه الأمة حين كانت الرعية قائمة بأمر الله، خائفة من عقابه، راجية لثوابه، فلما بدلت الرعية وغيرت وظلمت نفسها، تبدلت أحوال الرعاة، وكما تكونوا يولى عليكم.

بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم ..

الخطبة الثانية:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت