ووهب الله قوم سبأ ذكاءً ودهاءً, فتحكموا في القطرِ النازل من السماء .. أقاموا خزّانًا طبيعيًا، جانباه من جبلين عظيمين، وجعلوا بينهما على فم الوادي سدًا كبيرًا به عيون تفتح وتغلق، وهو سد مأرب الشهير!! فكانوا يرتعون فيه, ويسقون زروعهم ومواشيهم, في نظامٍ متقنٍ بديعٍ, لقد كانت حياتهم حياةُ الرفاهية بكل ما تحمله الكلمات من معانٍ, ولم يكن في بلادهم شيء من البعوضِ أو الهوامِ لاعتدال الهواءِ, وصحةِ المزاج, وعناية الله الفائقة بهم, (كلوا من رزق ربكم و اشكروا له بلدةٌ طيبةٌوربٌ غفور) , بلدة طيبة معطاء, آمنة مطمئنة رخاء .. ورب غفورٌ, ودودٌ رؤوف, جوادٌ رحيم, فأي عذر بقي لأولئك يحول بينهم وبين حسن القصد والعمل ؟!
ترى ماذا كان يضير سبأ لو أطاعوا ربهم, وآمنوا برسله؟ ، ماذا كان يضيرُهم لو عرفوا للمتين الوهاب حقه, وأدركوا أن ما يتمتعون به من النعيم المقيم, والظل الوارف, والماء المسكوب, هو فضلٌ من الله ومنة؟!! فلم التجبر والطغيان؟؟
(( كُلُوا مِنْ رِزْقِ رَبِّكُمْ وَاشْكُرُوا لَهُ بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ وَرَبٌّ غَفُورٌ * فَأَعْرَضُوا فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ سَيْلَ الْعَرِمِ وَبَدَّلْنَاهُمْ بِجَنَّتَيْهِمْ جَنَّتَيْنِ ذَوَاتَيْ أُكُلٍ خَمْطٍ وَأَثْلٍ وَشَيْءٍ مِنْ سِدْرٍ قَلِيلٍ ) ).
(فأعرضوا ) .. هذا هو مَكمَن الخطأ, وبدايةُ النهاية, وبوادرَ الكارثة .. أعرضوا عن شكر النعمِ, وإجابة المرسلين, واستبدلوا بعبودية الله عبودية شمس تشرق وتغرب, ويحجب أشعتها ركامٌ يسير من السحاب!