حتى قال عنهم الهدهد لسليمان: (( أَحَطْتُ بِمَا لَمْ تُحِطْ بِهِ وَجِئْتُكَ مِنْ سَبَأٍ بِنَبَأٍ يَقِينٍ *إِنِّي وَجَدْتُ امْرَأَةً تَمْلِكُهُمْ وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ وَلَهَا عَرْشٌ عَظِيمٌ * وَجَدْتُهَا وَقَوْمَهَا يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ فَهُمْ لا يَهْتَدُونَ ) ).
يا لَخيبتهم وتعاستهم !! نِعَمٌ تتنزلُ صباح مساء, وعطاءٌ بلا حدود, وفضلٌ بلا قيود، ثم يُقابَل ذلك كلُه, بتأليهِ شمسٍ مأمورة, لا تنفع ولا تضر.. إن هذا لهو الضلال المبين! .
(فاعرضوا) .. فأرسلنا عليهم سيل العرم، يقتلع أشجارهم, ويُفسدُ ثمارهم, ويقوضُ ديارهم, ويطمسُ زهرة حياتهم.
لقد كان سيلًا مهولًا يحطم كل شيء , ويدمر كل شيء, يحمل في طريقه الصخورُ العاتية, لتحطيم السد العظيم .
(( وَبَدَّلْنَاهُمْ بِجَنَّتَيْهِمْ جَنَّتَيْنِ ذَوَاتَيْ أُكُلٍ خَمْطٍ وَأَثْلٍ وَشَيْءٍ مِنْ سِدْرٍ قَلِيلٍ ) )يا سبحان الله ! هكذا في ساعةٍ من نهارٍ, إذ بالجنان الفيحاء والحدائق الغناء, تنقلب صحراءَ قاحلةً وبلاقع هامدة, لا تمسك ماءً، ولا تنبت كلأً!! وإذ بالثمار الناضجة, والظلال الوارفة, تتحول إلى شوكٍ حادٍ, وأثلٍ يابسٍ وشيءٍ من سدرٍ قليل, مع لوعةٍ في القلب موجعةً, وحسرةٍ في الصدر كامنةً, ودمعةٍ في العين حارة، وما أهون الخلق على الخالق حين يعصون أمره .وليت الحالةُ البائسةُ وقفت عند هذا الحد .. كلا، فما زالت فيهم بقيةٌ من نعمةٍ تنتظر التدمير والإهلاك .
قال الله: (وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْقُرَى الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا قُرىً ظَاهِرَةً وَقَدَّرْنَا فِيهَا السَّيْرَ سِيرُوا فِيهَا لَيَالِيَ وَأَيَّامًا آمِنِينَ) .