لقد كان طريق سبأ، من اليمن إلى الشام، طريقًا مأمون الاتجاهات، محدود المسافاتِ، على جانبيه قرىً متلاصقة, لا يكادُ المسافرُ يخرج من قريةِ إلا يدخلُ الأخرى, فلا يحتاج في الحالة هذه إلى حمل زادٍ أو طعام, ولكن غلبت الشِقوةٌ على الأشقياء من سبأ (( فَقَالُوا رَبَّنَا بَاعِدْ بَيْنَ أَسْفَارِنَا وَظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ) )ربنا اجعل بين أسفارنا مسافاتٍ بعيدة, ومفاوزَ شاسعة، حتى نشعر بعناءِ السفر ومشقتِه!! .
يا للسفه والجنون! ويا للحماقةِ والطيش! أناسٌ هيئ الله لهم قرىً متقاربة، وطرقًا آمنة, فإذا بهم يتطلبون المسافات البعيدةِ, والقرى النائية .
(وَظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ فَجَعَلْنَاهُمْ أَحَادِيثَ وَمَزَّقْنَا هُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآياتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ) .
كان لا بد من وضعِ حدٍ لكبرياء القومِ وغرورهم, وتجبرهم وطغيانهم , فإذا بالجموع المتماسكة, والبيوتِ المتلاقصة, والأسر المتقاربةِ، تتمزق وحدتها, وتتقوضُ سلطتها, فجعلناهم أحاديثَ ومزقنا هم كل ممزق إن في ذلك لآيات لكل صبار شكور .
تلكم عباد الله، قصة مملكة سبأ، وإن فيها لآيات لكل صبار شكور .. أقول ما تسمعون وأستغفر الله العظيم .
... ... الخطبة الثانية
الحمد لله رب العالمين ولي الصالحين ..
عباد الله .. لماذا يحدثنا الله حديث سبأٍ, ويقصُ علينا نبأهم؟
حاشاه سبحانه أن يكون حديثه لمجرد التسليةِ أو شُغل الفراغِ, إن الغاية التي من أجلها يقص علينا الله أخبار الأمم هي الاعتبار بالآيات والادكار بالمثلات، كما ختم الله القصة بقوله (إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآياتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ) .
إنه لا فضل لنا على سبأ ولا لسبأ علينا, إلا بالإيمان والتقوى, والله لا يحابي أحدًا, فمتى حصلَ الكفرُ والطغيانُ, والبطرُ والعدوان,ُ فالعقوبةُ جاهزة، والنقمةُ حاضرة, وما ربك بظلامٍ للعبيد .